فقال رضي الله عنه: المعتبر في بناء القصور الحالة التي يرجع الشخص إليها عند القصد، فهي السبب في بناء قصوره سواء كان له قصد أو لم يكن له، فالحالة التي يرجع إليها الكافر حالة قصده هي حالة كفره وطغيانه، فهي المعتبرة في بناء قصوره في جهنم على أي حالة صدرت منه أفعاله، سواء صدرت على سبيل القصد أو الغفلة أو حالة النوم. والحالة التي يرجع إليها المؤمن حالة قصده هي حالة إيمانه ومحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فهي السبب في بناء قصوره في الجنة سواء صدرت منه أفعاله قصدا أو غفلة أو مناما، جعلنا الله من المؤمنين ولا أخرجنا من زمرتهم آمين.
قلت: وهذه مسألة جليلة نفيسة طال نزاع العلماء فيهان حيث تكلموا على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فإنهم اختلفوا هل يجري هذا الخلاف في أفعال الكفار المباحة مثل الأكل والشرب ونحوهما. فقالت طائفة: إنه يجري، وإنه لا مباح عند الكفار أصلا، لأن الإباحة خطاب شرعي من نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ شرائع غيره منسوخة بشرعه، وهم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنهم غير داخلين تحت شرعه الشريف، فيلزمهم أنهم لم يدخلوا تحت الإباحة الشرعية. وإلى هذا ذهب المحققون منهم كتقي الدين السبكي، وهو الذي كان يظهر لنا صوابه، فتكون أفعال الكفار لعنهم الله بأسرها معاصي وذنوبا، وعليه كلام الشيخ رضي الله عنه.
وسمعته رضي الله عنهم يقول: إنك إذا نظرت إلى جهنم أو الجنة، ونظرت إلى قصور أهلها وبساتينها، وجدت أعمال العباد في الدنيا مرتبطة بتلك النقم أو النعم التي في الآخرة.
ثم حكى لي رضي الله عنه في ذلك حكاية، وقال: نظر بعضهم إلى قصر بعض المؤمنين الأحياء في الجنة، فرأى فيه نعمة تحركت للزيادة وأرادت أن تتهيأ للإنتقال من حالة إلى حالة.