ومنها وقد شاهد ذلك أهل الدار وبعض من قصد الشيخ للزيارة، وذلك أنه رضي الله عنه كانت تحصل له غيبة خفيفة عن جسمه حتى إن الجالس معه يراه بمنزلة من خرجت روحه ولا تبقى في ذاته رضي الله عنه حركة نفس ولا غيرها في شفتيه وما يقرب منهما من العروق، فوقع له ذلك ذات يوم فدخل من دخل عليه للبيت فوجد النور يسطع على هيئة البرق إلا أنه أبطأ وأصفى، فخرج فأعلم من حضر فدخلوا فعاينوا ذلك. فلما كان الغد لقيت الشيخ رضي الله عنه وخرجت معه إلى العرصة فاسترجع وقال: لقد ظهر علي بالأمس أمر ما كانت عادته إلا الستر، فقلت يا سيدي لقد سمعت بهذا وما علمت سر الحكاية، فقال رضي الله عنه: هو نوره صلى الله عليه وسلم، وذكر ما كان نفعنا الله به.
ومنها أنه كان لي بعض الأصحاب من حملة القرآن العزيز وهو من الحبانية القبيلة المشهورة ولما وقع للقبيلة المذكورة من العسف والظلم ما وقع سنة سبع وعشرين أرسلت للذي كان عليهم في شأن ذلك الصاحب فحرره من جميع المطالب ثم عزل بعد ولايته عليهم نحوا من عامين، وتولاهم من كنت أجزم أنه لا يخالف ما أقول له فأرسلت إليه في شأن الصاحب فلم يقض شيئا، فأردت أن أرسل لقائده فقال لي الشيخ رضي الله عنه: لو أراد الله تحريره لأجابك الوالي عليهم ولقضى مرادك، فتعاميت وجعلت أرسل لمن يغلب في ذلك الوالي، ومن بلغه كتابي منهم يفرح به ويصرح بقضاء الحاجة ثم يمنع الله منها. فلا أحصي كم سعيت ولا قضى الله منها شيئا فعرفت صدق كشف الشيخ رضي الله عنه.