ومنها أني أول ما عرفته كانت تحتي ابنة الشيخ الفقيه العالم العلامة سيدي محمد بن عمر السجلماسي نزيل زاوية مولاي إدريس الأكبر وإمامها وخطيبها، وقد عرفت مكانته رحمه الله، فكنت أحب البنت حبا شديدا لكمال عقلها وحسن عشرتها ولين جانبها في مواردها ومصادرها، ولما علم رضي الله عنه مكانتها في قلبي وأني لا أحب أحدا حبها جعل يسألني في بعض الأحيان ويقول: هل تحبني مثلها أو هي أكثر؟ فأصدقه وأقول هي أكثر، وكنت معذورا بجهلي بمكانة الشيخ وإمامته في ذلك الوقت، فكان يتأثر بذلك وحق له رضي الله عنه، فإن المريد لا يجيء منه شيء حتى لا يكون في قلبه غير الشيخ والله والرسول، فكان يسايرني في هذا الباب ويريد أن ينقلني عن تلك الحالة، فلما أن أبيت وسبق من قدر الله ما سبق دخلت عليه ذات يوم رضي الله عنه وذلك صبيحة ليلة سبع وعشرين من رمضان عام خمسة وعشرين ومائة وألف فما زلنا نتكلم حتى قال: إن مخالطة الأولياء بمنزلة أكل السموم وقد كان سيدي فلان لما عرفه مريده لم يترك له امرأة ولا ولدا حتى أفرده به، ولم أفهم الإشارة حتى نزل بالمرأة ما نزل وكان بقرب ذلك الكلام فبقيت في مرضها إلى أن توفيت رحمها الله. وكان رضي الله عنه يحبها محبة شديدة فهنيئا لها وما زال يؤنسها في مرضها ويبعث لها بالأدوية والأشربة وكل ما يحبه المريض ويعدها بالشفاء ويعني به شفاء الآخرة كما أخبرنا بذلك. ولما توفيت بقي قلبي متعلقا بولد تركته لي فجعلت إذا نظرت فيه اشتغل به قلبي، فبقي مدة قليلة بعد أمه ثم قبضه الله عز وجل. ثم إني تزوجت من الفقيه المذكور بنتا أخرى، فلما بنيت بها وجدتها والله فوق ما نظن في الحسن والجمال والعقل والكمال واستولت على قلبي، فلم تبق إلا مدة قليلة حتى قبضها الله عز وجل.