وكذا وقع لرجل آخر كان من جانب المخزن الفاسيين الذين قتل منهم نيف وعشرون في شوال سنة ثلاثين ومائة وألف، فكان من قدر الله أن جاء هذا الرجل حين سمع بالبحث والتفتيش عليهم قبل القبض على القائد، فشاور الشيخ في الهروب فقال: لا تفعل واذهب إلى القائد بنفسك وقل له ها أنا ذا فافعل بي ما شئت، فأنا عند الأمر والطاعة. فذهب وفعل ما قال له الشيخ رضي الله عنه، فقال له القائد: إن كنت كما تقول فاذهب إلى ناحية فجج وكن مع تلك الرماة الذين بتلك الناحية. فجاء إلى الشيخ وذكر له ما أمره به القائد فقال له الشيخ: العزم العزم بادر بالخروج إلى الناحية المذكورة. فبعد ما خرج بأيام قليلة قبض القائد وأصحابه فمات منهم العدد السابق ونجى الله ذلك الرجل السابق ببركة الشيخ رضي الله عنه.
وهذا دأبه رضي الله عنه في هذا الباب، فإني ما رأيت أحدا شاوره في الهروب من المخزن إلا أمره بالذهاب إليه ولا تكون عاقبته إلا خيرا، ولو ذكرت الحكايات الواقعة له في هذا المعنى لطال الكلام.
ومنها أن بعض الحكام عزله السلطان وجعله في زوايا الإهمال، فأرسل إلى الشيخ رضي الله عنه يطلب منه أن يرجع إلى الولاية فوعده رضي الله عنه بها، فلم يذهب الليل والنهار حتى ولاه السلطان ورجع إلى حالته الأولى. فأرسل إليه الشيخ يرغبه في بعض حملة كتاب الله عز وجل لكي يسمح لهم في بعض المغارم فأبى وامتنع، فلقي أخو ذلك الحاكم الشيخ رضي الله عنه فوعده بأن يتولى مرتبة أخيه فكان الأمر كذلك، فإنه لم يبق بعد امتناعه من قبول رغبة الشيخ رضي الله عنه إلا مدة قليلة ثم سافر إلى الآخرة وولي أخوه مرتبته وقضى حاجة الشيخ رضي الله عنه في أولئك المرغوب فيهم.