ثم قال رضي الله عنه: ومع كون ذات الآدمي أحسن الذوات فقد جرى في سابق علمه جل وعلا أن جعل طائفة منها إلى الجنة وطائفة إلى النار وذلك بسبب حجب بصائرهم عنه تعالى فإنه أولا جعل في تلك الذات الروح وسرها الذي هو العقل ومعرفة الله تعالى ونور الإيمان به مع المشاهدة ورفع الحجاب جل وعلا بينه وبينها، فحصلت لها المعرفة بخالقها على الوجه الأكمل، فلما أراد الله تعالى إنفاذ الوعيد وضع الحجاب على تلك الذات فزالت المشاهدة التي كانت لها، ووقعت لها القطيعة، ويا ليتها حيث وقعت لها القطيعة لم تتعلق بشيء، فإن ذلك خير لها مما وقعت فيه، وذلك أنها نظرت إلى خيط نور العقل الذي بقي فيها فتعلقت به وجعلته عمدتها وسندها في كل شيء فزادها ذلك قطيعة، لأنها نظرت إليه على أنه منها وناشئ منها وراجع في جميع الأمور إليها فزادها استقلالا بنفسها وانقطاعا عن الله عز وجل، ولو نظرت إليه على أنه من الله عز وجل وأنه تعالى هو محركه في كل لحظة لكان في ذلك رجوعها إلى الله سبحانه وحصلت المشاهدة التي زالت.
وبالجملة فحاصل أمرها أنها انقطعت عن قديم وتعلقت في نظرها بحادث ولو لم تتعلق بشيء كان خيرا لها.
قال رضي اللًه عنه: فلما تعلقت بعقلها في تدبيرها واستندت إليه في أمر معاشها ومعاشرتها للخلق، وعلم الله تعالى أنها لا بد أن تنحرف عن الطريق أرسل إليها الرسل ليردوها إلى طريق معرفته تعالى فظهر فيما جرى في سابق الأزل فأجابت طائفة وكذبت طائفة، وكان في إجابة الأولى بعض الرجوع عن اتباع العقل وفي تكذيب الثانية غاية التعلق بالعقل وتمام اتباعه.
فقلت: وما هو الحجاب الذي وضع حتى زالت المشاهدة؟ أهو الدم الذي هو سبب
في الغفلة أم غيره؟.
فقال رضي الله عنه: غيره وهو ظلام من ظلام جهنم كسيت به الذات فحجبها عن
الحق ومعرفه.
فقلت: فما النسبة بينه وبين الدم؟.