والحالة الثانية: وهي النادرة أن تخطر الدنيا الفانية في عقولهم ويستحضرون الأحوال التي كانوا عليها فيتمنونها فيجدونها حاضرة وهي القسم الثاني، والحالة الأولى، أكمل من جهة الفكر، فإنهم فيها بمنزلة من هو مع ربه سبحانه فلا لشعر بغيره وأكمل من جهة النعم لأنها هي النعم التي كانت لهم بحسب الأصالة وبحسب ما اقتضاه حال أهل الجنة وأكمل من جهة الدوام لأنها هي الغالبة عليهم، والحالة الثانية، دونها في جميع ذلك.
وأما من جهة الفكرة فإنهم بمنزلة الغائبين عن المشاهدة فشعروا بأنفسهم ومن شعورهم بأنفسهم خرجوا إلى التفكر في أمور الدنيا حتى تمنوا نعيمها.
قال رضي الله عنه: فلما علم الله أن لأهل الجنة التفاتا إلى دار الدنيا في بعض الأحوال خلق في الجنة نعما على طبع الجنة لا ثقل لها أصلا وخلق فيها لأجل ذلك الالتفات نعما على غير طبع الجنة لها ثقل وشبه بنعم أهل الدنيا ولكنهم لما كانت ذواتهم في الجنة أنوارا قوية لم يظهر فيها ثقل وذات آدم لما ضعفت عن ذواتهم حين دخل الجنة ظهر الثقل الذي فيها في ذاته فإذا الثقل الذي في القسم الثاني لا يظهر إلا في الذات الضعيفهّ وليست إلا ذات آدم يومئذ.
قال رضي الله عنه: وكان عقل آدم عليه السلام قبل أن ياكل من الشجرة متعلقا بربه غافلا عن مصالح نفسه، ولما أكل منها انعكس الأمر، فتعلق عقله بمصالح ذاته وسر ذلك هو أنه قبل أن يأكل من الشجرة كان أكله تنعما وتفكها لا يجوع معه ولا يظمأ، فكفى شأن الجوع وتدبير المعاش فكان العقل متعلقا بربه، فلما أكل من الشجرة وحصل له الإسهال والجوع بعده التفت العقل إلى الذات، وقال إذا فرغت البطن فأي شيء تعمر به، فجعل يفكر في تدبير معاشها فذلك أنزله الله تعالى إلى دار الكد والشقاء.