ثم جعلت الأشياء تنكشف لي وتظهر كأنها بين يدي فرأيت جميع القرى والمدن والمداشر ورأيت كل ما في هذا البر ورأيت النصرانية ترضع ولدها وهو في حجرها، ورأيت جميع البحور ورأيت الأرضين السبع وكل ما فيهن من دواب ومخلوقات، ورأيت السماء وكأني فوقها وأنا أنظر ما فيها، وإذا بنور عظيم كالبرق الخاطف الذي يجيء من كل جهة فجاء ذلك النور من فوقي ومن تحتي وعن يميني وعن شمالي ومن أمامي وخلفي وأصابني منه برد عظيم حتى ظننت أني مت، فبادرت ورقدت على وجهي لئلا أنظر إلى ذلك النور فلما رقدت رأيت ذاتي كلها عيونا العين تبصر، والرأس تبصر، والرجل تبصر، وجميع أعضائي تبصر، ونظرت إلى الثياب التي علي فوجدتها لا تحجب ذلك النظر الذي سرى في الذات، فعلمت أن الرقاد على وجهي والقيام على حد سواء ثم استمر الأمر علي ساعة وانقطع وصرت بمثابة الحالة الأولى التي كنت عليها أولا فرجعت إلى المدينة ولم أقدر على الوصول إلى سيدي علي ابن حرزهم وخفت على نفسي واشتغلت بالبكاء، ثم عاودني ذلك الحال ساعة ثم انقطع فجعل يأتيني ساعة وينقطع ساعة أخرى إلى أن اصطحب مع ذاتي، فصار يغيب ساعة في النهار وساعة في الليل ثم صار لا يغيب، ورحمني الله تعالى بأن جمعني مع بعض العارفين من أوليائه وذلك أني لما أصبحت من الليلة التي بعد يوم الفتح ذهبت لزيارة مولاي إدريس نفعنا الله به فلقيت في سماط العدول الفقيه سيدي الحاج أحمد الجرندي وهو إمام مولاي إدريس، فذكرت له ما رأيت وما وقع لي فقال انطلق معي إلى دارنا فذهبت معه إلى الدار التي بقرب السقاية التي بجوار الغسالين الذين هم في الصفارين، فدخل ودخلت معه وجلس على الدكان التي بداخلها وجلست معه فقال أعد علي ما رأيت فأعدت عليه فنظرت إليه وهو يبكي فقال لا إله إلا الله هذه أربعمائة عام ما سمعنا من يذكر مثل هذا قال وأعطاني دراهم كثيرة، ومرة قال أعطاني خمسة مثاقيل وقال لي خذها واقض بها حاجتك وإذا فنيت لا تقل لأحد