[*] صفحة 042
بعقله فيما يختاره من اتخاذ الأبنية والكسى وأنواع الأغذية والأشربة وله أن يقاوم بعقله المضار والمؤذيات الطبيعية والاختيارية جميعا وذلك ان اللّذة مقرونة بالأمور الطبيعية، خلقها الخالق تعالى بحكمته في الأمور المحسوسة والحواس ليشتاق الحيوان الى ما يلتذ به فيستعمله ولو لا ذلك لم ينسل الحيوان ولم يبق 59، ولما كان الطبع يلتذ ويشتاق الى اللذات ولم يكن لأنواع الحيوانات عقل يقدّر له الأمور اللذيذة ما يكفيه لطف له الخالق تبارك بتقدير ذلك له طبعا فلا يأخذ من كل لذيذ إلا ما يصلحه ويكفيه ولذلك عدمت أكثر الحيوانات أكثر الأمراض التي تعرض للانسان. فأما الانسان [فلأن] له عقل يقدر أن يميز به، لطبعه، الضار من النافع ويقدر له من الأغذية والأشربة وسائر ما هو مضطر اليه الكافي، فلذلك ترك وطبعه، فإن تبع ما يأمره به عقله من استعمال الاشياء واتخاذها للذّاتها ولم يتق ما يتبع اللذة من المضار والآفات دخلت عليه الأمراض، والأعراض ولم يؤمن عليه الهلاك لأنه يكون في ذلك دون البهايم لما لم يجعل لها عقل تقدر به كما قلنا قبل، صار لها التقدير طبعا فهي بذلك أصلح حالا 60و آمن، وخير ممن لا يتأدب بعقله. فأما من تدبر بعقله الأمور وتبع ما يأمر به عقله وشرعه، وسلك في طرقهما ومذاهبهما، فهو الفاضل الأديب وهو الانسان بالحقيقة. ولما اختلفت طبائع الناس لاختلاف أمزجتهم احتاج العقل ان يضع لكل ما خالف الأمر المعتدل ما يرده الى الاعتدال وما يضعه العقل من ذلك هو ضربين احدهما:
تعديل ما عدّل أخلاق النفس، والآخر: ما عدّل مزاج البدن فأما تعليم ما عدّل أخلاق النفس وأكسبها الفضائل وهداها سبل الحق لتزهد بذلك فيما يأمرها به الطبع من اتباع اللذات المؤدية 61الى سبل الشر والرذائل فهو التعليم العقلي، والتأديب الذي به ينتقل الانسان من الأخلاق البهيميّة الى الأخلاق الشريفة النفسانية، وهذا المكتسب من التأديب إذا رسخ وثبت في النفس الانسانية بالعادات التي يوجد الانسان بها منذ صباه 62، والتأديب الذي يؤدبه أهل الآداب يسميه القدماء عقلا مكتسبا، ومنزلته من العقل الكلّي منزلة شعاع الشمس، وكما ان بضياء الشمس يستنير الهواء ويوقعه 63على المحسوسات فتدركها
59)وردت في الاصل (لم يبقى) والصحيح ما اثبتناه.
60)وردت في الاصل (حال) والصحيح ما اثبتناه.
61)وردت في الاصل (المادية) والصحيح ما اثبتناه.
62)وردت في الاصل (صبايه) والصحيح ما اثبتناه.
63)وردت في الاصل (يوقعه) والصحيح ما اثبتناه.