فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 199

[*] صفحة 041

نفسه، فنفس الانسان لما كانت أصفى النفوس وأعدلها، بني لها جسم 57أكمل الاجسام أعضاء، وأتمها هيئة، وأعدلها مزاجا لتكون أفعاله تامة متقنة ككمال نفسه وتمامها وشرفها.

و ايضا لما كان البدن آلة للنفس، وكانت أعضاء البدن مخلوقة لنفس الحيوان بحسب قواها وكان لكل حيوان من الحيوانات عمل يخص ذلك النوع من الحيوانات لا يقدر على غيره، وأعضاءه كلها مرافد بعضها بعضا في مصالحه، وفي اكمال ذلك العمل كالذي نجده من عمل الزنبور والنحل والنمل لثبوتها كل واحد بحكم ثبوته، وتشكلها بغير تشكيل الآخر لكن بحسب ما يلائم مصلحته، وكنسج العنكبوت لأجنته ودود القز، وما سوى ذلك من الحيوان، وكان الانسان لشرف نفسه، ولكمالها ولقوة عقله على العلم بجميع المهن والصنايع، وان الحكيم جل ذكره أراد إظهار ما في قوة نفس الانسان الى الوجود بالفعل خلق أعضاء جسمه أكمل وأتم ليقدر على جميع ما يعمله الحيوان طبعا بعقله، فخلق تبارك له اليدين ليقدر بهما على عمل ما دقّ من المهن وما جلّ وليتخذ بها أنواع السلاح كالسيف والرمح والنشاب والترس، ويروض الخيل ليركبها، إذ كانت هذه الأشياء متفرقة في الحيوانات كالذي يوجد من الأنياب للخنزير لينجل بها فيقطع ما أمكنه قطعه، كقطع السيف، وكرمي القنفذ بشوكه كرمي السهم، وكالقرون والمخالب 57بو الجبن لسائر الحيوان. وليست توجد أمثال هذه مجموعة ترى كاملة الا للانسان وحده لأنه بعقله يلتمس الأعمال ويقوّمها، والحيوان فانما له عمل واحد يعمله بطبعه، أ لا ترى ان الحيوان لما كان بأسره مضطرا في البقاء (الى) المأكول والمشروب والمكان والستر من الحر والبرد والتناسل، صار بطبعه يتخذ له الأعشاش والبيوت، وبطبعه يعرف انواع أغذيته الموافقة له في بقائه، لا يبعد لها، ومشروبه لا يتعدّاه، ويزاوج الذكور من كل نوع اناثه للنسل لا يتجاوز ذلك، وبعضه في اوقات من الزمان لا يزيده، وما لم يقدر عليه من مصالحه بطبعه خلقه اللّه تعالى له لطفا به لئلا يهلك كالأصواف والأوبار والريش والشعر والجلد التي هي كسى له ساترة من الحر والبرد. وأما الانسان العاقل فلمّا وهب اللّه له تبارك وتعالى ما هو أشرف من الطبع وتوّج بالحكمة والعلم الأمور الزمانية السالفة اللائقة، وصار يعلم ما يصلح 58له ان يتصرف

57)وردت في الاصل (جسما) والصحيح ما اثبتناه.

57ب) وردت في الاصل (المخاليب) والصحيح ما اثبتناه.

58)وردت في الاصل (ما يصلحه) والصحيح ما اثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت