[*] صفحة 029
و عدم هذه السعادات ان مما يرجى له الشفاء من عماه، والتخلّص من حيرته قراءته في كتب العقلاء من المتقدمين الذين قد أجهدوا انفسهم بالطرق العقلية والقوانين القياسية في إصابة الحق ودركه فانه قد كان يجد فيها من فصيح الأقاويل وواضح الأدلة على وجوب الأقرار بالباري تعالى وعلى وحدانيته وقدرته وحكمته ووجوده، والإقرار برسله وشرايعه والثواب والعقاب ما لو جمع لكثر وطال وثقل محمله، ولكن لا بأس باثبات اليسير من ذلك لما أرجو به من النفع لمن التمس الحق، والتوبيخ والإخجال لمن عدل عنه الى الآراء الردية والمذاهب المفسدة. وينبغي أن أقدم من القول في هذا المعنى أقاويل الفلاسفة أبدأ منهم بأقاويل أرسطو طاليس ثم اتبع ما قالته الفلاسفة ببعض ما قالته الأطباء وأظهر أقاويل أرسطو طاليس، وأوضحها في ذلك ما صرح به في كتابه الذي عنوانه (كتاب ما بعد الطبيعة) 16و خاصة في مقالة [اللامنتهي] قال ان الذي لامكان له اصلا ولا تحويه نهايات الأجسام كما يحوي جميع الأشياء التي في المكان هو اللّه حقا. وقال ارسطو طاليس أيضا في مواضع أخرى من هذه المقالة: فأنه من الصواب والحق أن يعتقد أن ذلك الشيء المعقول مفرد عن الجواهر جميعا حتى لا يوجد بينه وبينها مشاركة البتة لا في طبع ولا في عرض من الأعراض، وهو اللّه تعالى. ثم قال: وغرضنا إنما هو الكلام في هذا الشيء الأعظم، أعني الأول الذي لا يتحرك وهو اللّه الحق. وقال أيضا: المحسوسات واقعات تحت حس البصر منها 17الأجسام السماوية والأجسام الأرضية من الحيوان، والنبات وأمرها بيّن، وأما الفاضل الأول فهو الذي هو غير متحرك الأزلي والأبدي. وقال أيضا: وذلك أنه ليس بينه وبين ما هو دونه من الجواهر مشاركة في شيء من الأشياء أصلا لا في تغيّر من كل التغير ولا في مكان ولا في نمو ولا ينقص ولا يجمعهما أيضا مبدأ واحد عنه حدثا لكن البدء الأول الذي هو اللّه لا مبدأ له أصلا، وكلما هو دونه فمبدأه منه. ومن أقاوليه التي صرح فيها بضرب من ضروب النبوة قوله في الطبيعة هذا القول، قال: وليس بعجب أن تكون الطبيعة وهي لا تفهم منساقة بما يفعله الى الغرض المقصود اليه إذ كانت لا تروي ولا تفكر في فعل ما تفعله..
16)كتاب ما بعد الطبيعة - من مؤلفات ارسطو طاليس وهو بثلاث عشرة مقالة. وقد فسره الاسكندر الافروديسي الدمشقي في القرن الثاني للميلاد (ابن ابي اصيبعة ص 106) .
17)في الأصل منه.