للمكلف من حيثية أخرى نحو قوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} فإنه كلامه المتعلق بأفعال المكلفين، لكن لا من حيث إنهم مكلفون به، بل من حيث إنه إخبار عنهم بصدور تلك الأعمال منهم، والمراد بتعلق الخطاب بشيء بيان حاله من كونه مطلوب الفعل أو الترك أو مأذونا فيه.
و (المكلف) العاقل البالغ الذي ليس بمكره ولا ملجئ ولا غافل، وصواب المؤلف لو حذف القيد بالمكلف لأن الصبي عنده تتعلق به أحكام الندب والكراهة والإباحة كما يأتي له. ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي يدخل في اسم المكلف عند المالكية بالنسبة إلى غير الواجب والحرام كما يأتي للمؤلف قريبا.
واعلم أن هذا التعريف يتناول خطاب التكليف دون خطاب الوضع وسيأتي الكلام على خطاب الوضع إن شاء الله.
وقول المؤلف: (من حيث إنه) إلخ بكسر الهمزة على اللغة الفصحى، وهي أن (حيث) لا تضاف إلا للجمل، ويجوز فتحها فتكون (حيث) مضافة إلى المصدر المنسبك من أن وصلتها، بناء على جواز إضافة (حيث) للمفرد، وهو رأي الكسائي قيل: ومنه قول الراجز:
أما ترى حيث سهيل طالعا = نجما يضيء كالشهاب لامعا
وقول الشاعر:
.= حيث لي العمائم
24 قد كلف الصبي على الذي اعتمى = بغير ما وجب والمحرم
يعني أن الصبي عن المالكية مكلف بغير الواجب والحرام، وهو الندب والكراهة والإباحة كما صححه ابن رشد في (البيان) (والمقدمات) والقرافي في كتاب (اليواقيت في أحكام المواقيت) ودليل المالكية على ذلك: حديث الخثعمية التي أخذت بضبعي صبي وقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (( نعم ولك أجر ) ).
وأما حديث: (( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) )فالاستدلال به مبني على قاعدة مختلف فيها وهي: هل من أمر بالأمر آمر للثالث أو لا؟ وقد بين المؤلف ذلك في مبحث الأمر بقوله:
وليس من أمر بالأمر أمر = لثالث إلا كما في ابن عمر
والأمر للصبيان ندبه نمي = لما رووه من حديث خثعم
وقوله: (اعتمي) بمعنى اختير.
وقال القرافي في (القواعد) في الفرق بين أنكحة الصبيان تنعقد ويخير الولي وطلاقهم لا يلزم: إن عقد النكاح سبب إباحة الوطء وهم أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة. والطلاق سبب تحريم الوطء وليسوا أهلا للخطاب بالتحريم ولا الوجوب.
والصبي عند جماهير العلماء غير مكلف بشيء مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (( رفع القلم عن ثلاث - وذكر منهم الصبي حتى يحتلم ) ).
25 وهو إلزام الذي يشق = أو طلب فاه بكل خلق
26 لكنه ليس يفيد فرعا = فلا تضق لفقد فرع ذرعا