قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- في فقه هذا الحديث وفيه: (جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يُعهد منه مثلها، لا يُنسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة [1] لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-على ذلك لعذرهم في ظنهم) [2] .
قال بكر أبو زيد-رحمه الله تعالى-: (فقد أعذر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-غير المكلَّف من الدواب باستصحاب [3] الأصل، ومن قياس [4] الأولى إذا رأينا عالمًا عاملًا، ثم وقعت منه هِنة أو: هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها-استصحابًا للأصل، وغمر ما بد منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنِّف قاطعًا للطريق رِدءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالَم من علمه، وقد نهينا أن يكون أحدنا عونًا للشيطان على أخيه ...
قال الصنعاني-رحمه الله تعالى-: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) [5] .
وقد صح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من أقال مسلمًا أقال الله عثرته) [6] .
(1) -والعادة عند الفقهاء: ما استقرت الناس فيه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:73) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(2) -انظر: (فتح الباري) (5/ 335) .
(3) -الاستصحاب: تصاحب العدم الأصلي أو: العموم أو: النص أو: ما دل الشرع على ثبوته لوجود سبب بيانه إلى ورود المغيِّر. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:81) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(4) -القياس لغة: المساواة والتقدير، واصطلاحًا: حمل مجهول على معلوم لمساواته له في عِلية حكمه. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:81) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(5) -انظر: (تصنيف الناس بين الظن واليقين) (ص:91) .
(6) -رواه أبو داود في (سننه) كتاب الحدود (4/ 133/رقم:3460 - بإسناد حسن) ، وابن ماجه في (سننه) (رقم:2199) ، والبيهقي في (السنن الكبرى) (6/ 27) ، وصححه جماعة من الحفاظ والمحدثين منهم:
1 -ابن حبان في (صحيحه) (رقم:1103) ،
2 -والحاكم في (مستدركه) (2/ 45) ،
3 -وابن حزم،
4 -وابن دقيق العيد وغيرهم،
انظر كلام الحافظ ابن القطان عنه في (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام) (2/ 93/94/رقم:65) ، و (2/ 449/رقم:451)