صفحة 5
ويظهر رفضه للتقليد في قوله: (فخاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحد الكفر، فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم، فاعلم أنه غر بليد، قد قيَّده التقليد) ثم يتابع مبينًا حد الإيمان والكفر (وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلًا إذ معناه إباحة الدم، والحكم بالخلود بالنار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص) .
بمثل هذه السماحة الفكرية أقبل الغزالي على مناهل المعرفة فهاجم ما اعتقد أنه يستحق الهجوم، ووقف بجانب ما اعتقد أنه الحق، غير مبال برضا الراضين ولا بسخط الساخطين، مما أوغر عليه صدر بعض العلماء، واختلفوا فيه، وأصبح محور دراسات كثيرة ممتعة بين الأقدمين والمحدثين، مما كان لها أعظم الفائدة في كشف جوانب شخصيته الفذة، وهذا الاختلاف والتدافع بين تلك الفئات حول دراسة فكر الغزالي أعطاه الخلود والبقاء.
ومن يستعرض الساحة الفكرية في واقعنا المعاصر، ويتتبع الحركة الفكرية، وما يجري فيها من تيارات متصارعة متناقضة لا يجد كبير فرق بين الساحة التي عمل فيها الغزالي وبين واقعنا