فيه إشكال، لأن النهي لا يقع على ما فعل ووقع، وإنما يتعلق بالاستقبال فكيف يذمهم على ما لا يفيد؟ لأنه نهى عما لا يمكن اجتنابه، لأن المفعول لا يمكن اجتنابه.
[فوائد في مشكل القرآن: 113]
والجواب: أنه عبر هاهنا بأول الفعل عن جملته كما جاء في حديثه عليه السلام: صلى بي جبريل الظهر في اليوم حين زالت الشمس. والأول يمكن أن ينهي عن التمادي عليه، فيكون المعنى هاهنا: كانوا لا ينهون عن التمادي على المعاصي.
قوله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} ... (5: 103) .
نص أبو علي وغيره على: أن للجعل خمسة محامل في لسان العرب، وهي: التسمية، والفعل، والإلقاء، ومقاربة الفعل، والتعبير. إذا ثبت هذا فقوله سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة} وقوله: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} ، وقوله: {أجعل الآلهة إلها واحدا} ليس المراد فيها التسمية، لأن الله تعالى لم ينه في البحيرة عن التسمية، ولا الفعل، لأنه الفاعل لكل شيء، ولا الإلقاء، لأنه عز وجل لم يرد ذلك وإنما أراد: ما شرع لكم ذلك، وكذلك باقيها.
[فوائد في مشكل القرآن: 114]
فهل يكون هذا نقضًا على استقرائهم أو يمكن رده إلى أحد الوجوه المذكورة عنهم؟
والجواب: أنه يمكن رده إلى الفعل والعمل، ويكون قد تجوز بالعمل عن التشريع، والعمل أعم من التشريع، لأن كل من شرع فقد عمل، وليس كل من عمل فقد شرع، فيكون العمل أعم، فيكون قد عبر بالأعم عن الأخص، وهو مجاز مشهور في كلامهم. فلا يلزم نقض على ما ذكره أئمة العربية.
قوله عز وجل: .... {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ... (5: 118) .
المختار في الصفات الواردة في القرآن أن تكون مناسبة لسياق ما قرنت به وقد أشكل على ذلك هذه الآية، حتى حكى عن بعض القراء أنه غيرها لسخافة عقله، وكان يقرأ: «فإنك أنت الغفور الرحيم» حتى حبس وضرب سبع درر.
[فوائد في مشكل القرآن: 115]
الجواب: أن العزيز، معناه: الممتنع من المكروه. ومعناه أيضًا: الذي لا نظير له، ومعناه: النفيس. والمراد بالعزيز هاهنا: الذي لا نظير له. فالمعنى: وإن تغفر لهم فإنك أنت الذي لا نظير لك في غفرانك وسعة رحمتك. فإنك أولى من رحم وأجدر من غفر وستر، والحكيم الذي لا يفعل شيئًا إلا في مستحقه. وهم مستحقون ذلك لفضلك وضعفهم.
ومما يؤيد أنه لا بد من الربط بين هذه الصفات وما قرن بها: أن بعض العرب سمع رجلًا يقرأ: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما} إلى قوله {والله عزيز حكيم} فقرأ: والله غفور رحيم. فقال: هذا إغراء بالسرقة [وقرأ القارئ] : والله عزيز حكيم: فقال: هذا كلام الرب، عز وحكم.
سورة الأنعام (6)
قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} (6: 74) فـ «آزر» بدل، والبدل لا يكون إلا للبيان، والأب لا
[فوائد في مشكل القرآن: 116]
يلتبس بغيره. فكيف يحسن البدل؟
والجواب: أن الأب يطلق على الجد، بدليل قوله: {ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} فقال: آزر ليرفع احتمال المجاز.