الأموات كلهم كذلك، فكيف خصص هؤلاء؟
الجواب: ليس الكل كذلك، لأن الموت عبارة عن أن تنزع الروح عن الأجساد لقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} أي يأخذها وافية. والمجاهد تنتقل روحه إلى طير أخضر، فقد انتقلت من جسد إلى آخر، لا أنها توفيت من الأجساد، بخلاف الباقي فإنها تتوفى من الأجساد.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «نسمة المؤمن في حواصل طير» الحديث. فهذا العموم على المجاهدين. لأنه قد ورد أن الروح في القبر يعرض عليها مقعدها من الجنة والنار، ولأنا أمرنا بالسلام على القبور. ولولا أن الأرواح، تدرك لما كان فيه فائدة.
[فوائد في مشكل القرآن: 107]
والموت أيضًا إنما تتصف به الأجساد دون الأرواح، لقوله عز وجل: {كل نفس ذائقة الموت} أي عالمة الموت. والموت عرض ينافي الإدراك، فلو قام بها، وكانت هي الميتة لاجتمع الضدان.
قوله عز وجل: .... {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} ... (3: 191) .
فيه سؤالان: الأول: ما المراد بالباطل. الثاني: أن الله عز وجل له أن يخلق الخلق لا لمصلحة وغرض، فكيف ينزه عما له أن يفعله، بقوله: سبحانك، إذ لا ينزه إلا عن نقيصة، والنقيصة محال عليه، وهذا ليس محالًا عليه، فلا يكون نقيصة، فلا ينزه عنه. وهذه حجة كبيرة للمعتزلة في أنه لا يفعل الشيء إلا لغرض. فلا جرم حسن التنزيه عنه لاستحالته عليه، ولو
[فوائد في مشكل القرآن: 108]
كان ممكنا لم يحسن التنزيه.
والجواب عن الأول: أن الباطل هاهنا هو الذي لا فائدة له، والخلق له فوائد التكليف، والنفع الدنيوي، وإظهار الحكمة.
وعن الثاني: أنه ما نزه إلا [عن] مستحيل. بيان: ذلك: أن الله عز وجل أخبر أنها إنما خلقت للتكاليف، بقوله: {وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت} ، أي للتكليف والجزاء، فلو خلقها لا لمعنى البتة، للزم الخلف في هذا الخبر، والخلف (نقيصة) مستحيلة، فحسن التنزيه [له] عنها، فنفس المذكور في اللفظ ليس هو المنزه عنه.
[فوائد في مشكل القرآن: 109]
سورة النساء (4)
قوله عز وجل: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة} ... (4: 29) .
فيه سؤالان: أحدهما: لم قال: إلا أن تكون تجارة؟ فإن أسباب الحل أعم من التجارة، فلم اقتصر عليها؟ مع أن الكسب بالصنائع والزراعة وغير ذلك أكثر، لأن الصناع أكثر من التجار. والعادة في الاستعمال الاهتمام بالأكثر دون الأندر.
والثاني: ما فائدة قوله: «بينكم» ولو لم يأت لكان النهي أعم.
والجواب عن الأول: أن الغالب على العرب التجارة دون غيرها، فخصها بالذكر لغلبتها.
وعن الثاني: أن المراد هنا ليس كل الأسباب الباطلة الموجبة للأكل، بل أسباب المعاوضة كما بينا في الجواب عن السؤال الأول. فيصير معنى الآية: لا تأكلوا أموالكم بالمعاوضات الدائرة بينكم بالباطل. فحذف «المعاوضات» وصفتها، ولم يبق