اختَلَفَ العلماءُ في الاحتجاجِ بالمرْسَلِ فذَهَبَ مالِكُ بنُ أنَسٍ، وأبو حَنيفةَ النُّعمانُ بنُ ثابِتٍ وأتباعُهما في طائفةٍ إلى الاحتجاجِ به، فقولُه: (وتابِعُوهُما) أي التابعونَ لهما (ودَانُوا) أيْ: جَعَلُوه دِينًا يَدِينُونَ به، وذَهَبَ أكثَرُ أهْلِ الحديثِ إلى أنَّ الْمُرْسَلَ ضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به، وحكاهُ ابنُ عبدِ الْبَرِّ في مُقَدِّمَةِ (التمهيدِ) عن جماعةٍ مِن أصحابِ الحديثِ.
وقالَ مسلِمٌ في صَدْرِ كتابِه الصحيحِ: المرسَلُ في أصْلِ قولِنا وقولِ أهلِ العلْمِ بالأخبارِ ليس بِحُجَّةٍ.
هكذا أطْلَقَ ابنُ الصلاحِ نقْلَه عن مسلِمٍ، ومسلِمٌ إنما ذَكَرَه في أثناءِ كلامِ خَصْمِه الذي رَدَّ عليه اشتراطَ ثُبوتِ اللقاءِ فقالَ: فإنْ قالَ: قُلْتُه لأني وَجَدْتُ رُواةَ الأخبارِ قَديمًا وحَديثًا كلَّهم يَرْوِي أحَدُهم عن الآخَرِ الحديثَ ولَمَّا يُعَايِنْه وما سَمِعَ منه شيئًا قطُّ، فلَمَّا رأيتُهم استَجَازُوا روايةَ الحديثِ بينَهم هكذا على الإرسالِ مِن غيرِ سَمَاعٍ، والمرسَلُ مِن الراوياتِ في أصْلِ قولِنا وقولِ أهْلِ العلْمِ بالأخبارِ ليس بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِن العِلَّةِ إلى البحْثِ عن سماعِ راوِي كلِّ خَبَرٍ عن راوِيهِ. إلى آخِرِ كلامِه، فهذا كما تَراهُ حَكاهُ على لسانِ خَصْمِه، ولكنه لَمَّا لم يَرُدَّ هذا القدْرَ منه حين رَدَّ كلامَه كان كأنه قائلٌ به، فلهذا نَسَبَه ابنُ الصلاحِ إليه.
وقولُه: (للجَهْلِ بالساقِطِ) هو تعليلٌ لِرَدِّ المرسَلِ، وذلك أنه تَقَدَّمَ أنَّ مِن شرْطِ الحديثِ الصحيحِ ثِقَةَ رجالِه والمرسَلُ سَقَطَ منه رجُلٌ لا يُعْلَمُ حالُه فعُدِمَ معرِفَةُ عدالةِ بعضِ رُواتِه وإنِ اتَّفَقَ أنَّ الذي أرْسَلَه كان لا يَرْوِي إلاَّ عن ثِقَةٍ، فالتوثيقُ في الرجُلِ الْمُبْهَمِ غيرُ كافٍ، كما سيأتِي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
(125) لكن إذا صَحَّ لنا مَخْرَجُهُ ... بمسنَدٍ أو مرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
(126) مَن ليس يَرْوِي عن رجالِ الأَوَّلِ نَقْبَلْهُ قُلتُ الشيخُ لم يُفَصِّلِ
(127) والشافعيُّ بالكِبارِ قَيَّدَا ... ومَن رَوَى عن الثِّقاتِ أَبَدًا
(128) ومَن إذا شارَكَ أهْلَ الْحِفْظِ ... وافَقَهم إلا بنَقْصِ لَفْظِ
هذا استدراكٌ لكونِ الْمُرْسَلِ يُحْتَجُّ به إذا أُسْنِدَ مِن وجهٍ آخَرَ أو أرْسَلَه مَن أَخَذَ العلْمَ عن غيرِ رجالِ المرسَلِ الأوَّلِ.
وقولُه: (نَقْبَلْهُ) هو مجزومٌ جوابٌ للشرْطِ على مَذهبِ الكُوفِيِّينَ والأخفَشِ كقولِ الشاعرِ:
وإذا تُصِبْكَ مُصيبةٌ فاصْبِرْ لها وإذا تُصِبْكَ خَصاصةٌ فتَجَمَّلِ
وقولُه: (قلتُ الشيخُ) إلى آخِرِ الأبياتِ الأربعةِ مِن الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ، وهو اعتراضٌ عليه في حِكايتِه لكلامِ الشافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه قالَ ابنُ الصَّلاحِ: اعلَمْ أنَّ حُكْمَ الْمُرْسَلِ حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ، إلاَّ أنْ يَصِحَّ مَخْرَجُه بمجيئِه مِن وجهٍ آخَرَ كما سَبَقَ بيانُه في نوعِ الْحَسَنِ.
والذي ذَكَرَ أنه سَبَقَ أنه حُكِيَ هناك نصُّ الشافعِيِّ في مَراسيلِ التابعينَ أنه يَقْبَلُ منها الْمُرْسَلَ الذي جاءَ نحوُه مُسْنَدًا، وكذلك لو وافَقَه مُرْسَلٌ آخَرُ أرْسَلَه مَن أخَذَ العلْمَ عن غيرِ رجالِ التابعِيِّ الأُوَلِ في كلامٍ له ذَكَرَ فيه وُجوهًا مِن الاستدلالِ على صِحَّةِ مَخرَجِ المرسَلِ بمجيئِه مِن وجْهٍ آخَرَ. انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ.
ووجهُ الاعتراضِ عليه أنه أطْلَقَ القولَ عن الشافِعِيِّ بأنه يَقبلُ مُطْلَقَ الْمُرْسَلِ إذا تَأَكَّدَ بما ذَكَرَه.
والشافعيُّ إنما يَقبلُ مَراسِيلَ كِبارِ التابعينَ إذا تَأَكَّدَتْ مع وُجودِ الشرْطَيْنِ المذكورَيْنِ في كلامِي كما نَصَّ عليه في كتابِ (الرسالةِ) ومِمَّنْ رَوى كلامَ الشافِعِيِّ كذلك أبو بكرٍ الْخَطيبُ في (الكِفايةِ) وأبو بكرٍ البَيهَقِيُّ في (الْمَدْخَلِ) بإسنادَيْهِما الصحيحينِ إليه أنه قالَ: والْمُنْقَطِعُ مُخْتَلِفٌ فمَن شاهَدَ أصحابَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن التابعينَ فحَدَّثَ حديثًا منْقَطِعًا عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ اعتُبِرَ عليه بأمورٍ (منها) أنْ يُنْظَرَ إلى ما أَرْسَلَ مِن الحديثِ فإنْ شَرَكَه فيه الْحُفَّاظُ المأمونونَ