الْمُزَنِيِّ) أنَّ الشافِعِيَّ كان يَرَى في القديمِ أنَّ ذلك مرفوعٌ إذا صَدَرَ مِن الصحابِيِّ أو التابِعِيِّ، ثم رَجَعَ عنه؛ لأنهم قد يُطْلِقُونَه ويُريدونَ سُنَّةَ البلَدِ. انتهى.
والأَصَحُّ في مسألةِ التابِعِيِّ كما قالَ النَّوَوِيُّ في (شرْحِ الْمُهَذَّبِ) أنه موقوفٌ، وعلى هذا فما الفرْقُ بينَه وبينَ المسألةِ التي قَبْلَه؟ يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عنه بأنَّ قولَه: (يَرفَعُ الحديثَ) تصريحٌ بالرفْعِ، وقريبٌ منه الألفاظُ المذكورةُ معه، وأمَّا قولُه: (مِن السُّنَّةِ) فكثيرًا ما يُعَبَّرُ به عن سُنَّةِ الْخُلفاءِ الراشدينَ، ويَتَرَجَّحُ ذلك إذا قالَه التابِعِيُّ بخِلافِ ما إذا قالَه الصحابِيُّ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ مُرادَه سُنَّةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وإذا قالَ التابِعِيُّ: أُمِرْنا بكذا. ونحوَه، فهل يكونُ مَوقوفًا أو مَرفوعًا مُرْسَلًا؟
فيه احتمالانِ لأبي حامِدٍ الغَزالِيِّ في (الْمُسْتَصْفَى) ولم يُرَجِّحْ واحِدًا مِن الاحتمالينِ، وجَزَمَ ابنُ الصَّبَّاغِ في (العُدَّةِ) بأنه مرْسَلٌ، وحكى فيما إذا قالَ ذلك سعيدُ بنُ المسيَّبِ، هل يكونُ حُجَّةً؟ - وَجهينِ، واللهُ أَعْلَمُ.
(116) وما أَتَى عن صاحِبٍ بحيثُ لاَ يُقالُ رَأْيًا، حُكْمُه الرفْعُ على
(117) ما قالَ في الْمَحصولِ نحوَ من أتى فالحاكِمُ الرفْعُ لهذا أَثْبَتَا
أيْ: وما جاءَ عن صَحَابِيٍّ مَوْقُوفًا عليه ومِثلُه لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرأيِ: حُكْمُه حُكْمُ المرفوعِ، كما قالَ الإمامُ فخْرُ الدِّينِ في (الْمَحصولِ) فقالَ: إذا قالَ الصحابِيُّ قَوْلًا ليس للاجتهادِ فيه مَجالٌ فهو مَحمولٌ على السماعِ تَحسينًا للظنِّ به.
وقولُه: (نحوَ مَن أتى) أيْ: كقولِ ابنِ مسعودٍ:"مَنْ أَتَى ساحِرًا أو عَرَّافًا فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ"تَرْجَمَ عليه الحاكِمُ في (علومِ الحديثِ) مَعْرِفَةَ الْمَسانِيدِ التي لا يُذْكَرُ سَنَدُها عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: ومِثالُ ذلك فذَكَرَ ثلاثةَ أحاديثَ هذا أحَدُها، وما قالَه في (المحصولِ) موجودٌ في كلامِ غيرِ واحدٍ مِن الأَئِمَّةِ كأبِي عمرَ بنِ عبدِ الْبَرِّ وغيرِه.
وقد أَدْخَلَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ في كتابِه (التَّقَصِّي) عِدَّةَ أحاديثَ ذَكَرَها مالِكٌ في (الْمُوَطَّأِ) مَوقوفةً مع أنَّ موضوعَ الكتابِ لِمَا في الْمُوَطَّأِ مِن الأحاديثِ المرفوعةِ منها حديثُ سهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ في صلاةِ الخوْفِ، وقالَ في (التَّمْهِيدِ) : هذا الحديثُ موقوفٌ على سَهْلٍ في (الْمُوَطَّأِ) عندَ جماعةِ الرُّواةِ عن مالِكٍ.
قالَ: ومِثلُه لا يُقالُ مِن جِهةِ الرأيِ، وكثيرًا ما يُشَنِّعُ ابنُ حَزْمٍ في (الْمُحَلَّى) على القائلينَ بهذا، فيقولُ: عَهْدُنا بهم يقولونَ: لا يُقالُ مِثلُ هذا مِن قِبَلِ الرأيِ. ولإنكارِه وَجْهٌ؛ فإنه وإنْ كانَ لا يُقالُ مِثْلُه مِن جِهةِ الرأيِ فلعلَّ بعضَ ذلك سَمِعَه ذلك الصحابِيُّ مِن أهْلِ الكتابِ، وقد سَمِعَ جماعةٌ مِن الصَّحَابةِ مِن كعْبِ الأحبارِ ورَوَوْا عنه كما سَيأتي: منهم العَبَادِلَةُ، وقد قالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( حَدِّثُوا عن بني إسرائيلَ ولاَ حَرَجَ ) ).
(118) وما رواه عن أبي هُريرةْ ... محمَّدٌ وعنه أهْلُ البَصرةْ
(119) وكَرَّرَ قالَ بعدُ فالْخطيبُ ... رَوَى به الرَّفْعَ وذا عَجيبُ
أيْ: وما رواه أهْلُ البَصرةِ عن محمَّدِ بنِ سِيرينَ عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ. فذَكَرَ حديثًا ولم يَذْكُرْ فيه النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- وإنما كَرَّرَ لفْظَ قالَ بعدَ ذِكْرِ أبي هُريرةَ، فإنَّ الْخَطيبَ رَوَى في (الكِفايةِ) مِن طريقِ مُوسى بنِ هارونَ الْحَمَّالِ بسَنَدِه إلى حَمَّادِ بنِ زيدٍ عن أيُّوبَ عن محمَّدٍ عن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ: (( الملائكةُ تُصَلِي على أحَدِكم ما دام في مُصَلاَّهُ ) )، قالَ موسى بنُ هارونَ: إذا قالَ حَمَّادُ بنُ زيدٍ والبَصرِيُّونَ: قالَ: قالَ. فهو مرفوعٌ، قالَ الخطيبُ: قلْتُ للبَرْقَانِيِّ: أحْسَبُ أنَّ مُوسَى عَنَى بهذا القولِ أحاديثَ ابنِ سِيرينَ خَاصَّةً؟ فقالَ: كذا يَجِبُ. قالَ الخطيبُ: ويُحَقِّقُ قولَ موسى ما قالَ محمَّدُ بنُ سِيرينَ: كلُّ شيءٍ حَدَّثْتُ عن أبي هُريرةَ فهو مرفوعٌ.