فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 339

تَوْبَةً نَصُوحًا، فإذا مَاتَ عَلَى تلكَ الحالِ نَالَ ذلكَ، فإنَّهُ قَدْ تَواتَرَت الأَحادِيثُ بأَنَّهُ (( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، وَمَا يَزِنُ خَرْدَلَةً، وَمَا يَزِنُ ذَرَّةً ) )، وتَواتَرَت بأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَدْخُلُ النَّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ منها، وتَوَاتَرَتْ بأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ مِن ابنِ آدَمَ، فهؤلاءِ كانُوا يُصَلُّونَ ويَسْجُدُونَ للَّهِ، وتَوَاتَرَتْ بأَنَّ اللهَ يُحَرِّمُ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وشَهِدَ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، لَكِنْ جَاءَتْ مُقَيَّدةً بالقُيُودِ الثِّقَالِ. وأكثرُ مَنْ يَقُولُها لَا يَعْرِفُ الْإِخْلَاصَ، وأَكْثرُ مَنْ يَقُولُها إنَّما يَقُولُها تَقْليدًا أوْ عَادَةً، ولم يُخَالِط الإيمانُ بَشَاشَةَ قَلْبِهِ. وغَالِبُ مَنْ يُفْتَنُ عندَ الموتِ وفي القُبُورِ أَمْثالُ هؤلاءِ، كَمَا في الحَدِيثِ: (( سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونُ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ) )، وغَالِبُ أَعْمَالِ هؤلاءِ إنَّما هوَ تَقْلِيدٌ واقتداءٌ بأمْثَالِهِم، وهمْ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْ قولِهِ تَعَالَى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزُّخْرُف: 23] .

وحِينَئذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الأحَادِيثِ؛ فإنَّهُ إذَا قَالَها بإخْلَاصٍ ويَقِينٍ تَامٍّ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الحَالِ مُصِرًّا على ذَنْبٍ أصْلًا، فإنَّ كَمَالَ إِخْلَاصِهِ ويَقِينِهِ يُوجِبُ أنْ يكونَ اللَّهُ أَحَبَّ إليهِ مِنْ كلِّ شَيْءٍ، فإذًا لَا يَبْقَى في قَلْبِهِ إرَادَةٌ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ، ولَا كَرَاهَةٌ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ. وهذَا هوَ الذِي يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وإِنْ كَانَتْ لَه ذُنوبٌ قبلَ ذلكَ، فإنَّ هذا الإيمانَ، وهذا الإخلاصَ، وهذِه التَّوْبَةَ، وهذهِ المَحَبَّةَ، وهذا اليَقِينَ، لَا تَتْرُكُ لَهُ ذَنْبًا إلَّا مُحِيَ عنهُ كَمَا يَمْحُو اللَّيْلَ النَّهارُ، فإِذَا قَالَها عَلَى وجْهِ الكَمَالِ المانِعِ مِن الشِّرْكِ الأَكْبَرِ والأَصْغَرِ، فَهَذَا غَيرُ مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ أصْلًا، فيُغْفَرُ لهُ ويَحْرُمُ على النَّارِ.

وإنْ قَالَها عَلَى وَجْهٍ خَلُصَ بهِ مِن الشرْكِ الأكبرِ دونَ الأصْغَرِ، ولمْ يَأْتِ بَعْدَها بِمَا يُنَاقِضُ ذلكَ، فهذهِ الحَسَنَةُ لَا يُقَاوِمُها شَيْءٌ مِن السَّيِّئاتِ، فَيُرَجَّحُ بِهَا مِيزَانُ الحَسَناتِ، كَمَا في حَدِيثِ البِطَاقَةِ فيَحْرُمُ عَلَى النَّارِ. ولَكِنْ تَنْقُصُ دَرَجَتُهُ في الجَنَّةِ بِقَدْرِ ذُنوبِهِ، وهذا بِخَلَافِ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ بِحَسَناتِهِ ومَاتَ مُصِرًّا عَلَى ذلكَ، فإنَّهُ يَسْتَوْجِبُ النَّارَ.

وإنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وخَلُصَ بِهَا مِن الشِّرْكِ الأَكْبَرِ لكنَّهُ لمْ يَمُتْ عَلَى ذلكَ، بلْ أَتَى بَعْدَها بسيِّئاتٍ رَجَحَتْ عَلَى حَسَنَةِ تَوْحِيدِهِ، فإِنَّهُ في حَالِ قَوْلِها كَانَ مُخْلِصًا لكنَّهُ أَتَى بذُنُوبٍ أَوْهَنَتْ ذلكَ التَّوْحيدَ والإخلاصَ فأَضْعَفَتْهُ، وقَوِيَتْ نَارُ الذُّنُوبِ حَتَّى أَحْرَقَتْ ذلكَ، بِخِلَافِ المُخْلِصِ المُسْتَيْقِنِ، فإنَّ حَسَناتِهِ لَا تَكُونُ إلَّا رَاجِحةً على سيِّئاتِهِ، ولَا يكونُ مُصِرًّا على سَيِّئَاتٍ، فإنْ مَاتَ عَلَى ذلكَ دَخَلَ الجَنَّةَ.

وإنَّما يُخَافُ على المُخْلِصِ أنْ يأْتِيَ بسيِّئةٍ رَاجِحَةٍ فَيَضْعُفُ إِيمَانُهُ فَلَا يَقُولُها بإخْلَاصٍ ويقينٍ مانعٍ مِنْ جَمِيعِ السيِّئاتِ، ويُخْشَى عَلَيْهِ مِن الشِّرْكِ الأَكْبَرِ والأصغرِ، فإن سَلِمَ مِن الأكْبَرِ بَقِيَ مَعَهُ مِن الأَصْغَرِ، فيُضِيفُ إلى ذَلِكَ سيِّئاتٍ تَنْضَمُّ إلى هذا الشرْكِ فيُرَجَّحُ جانبُ السيِّئاتِ؛ فإِنَّ السيِّئاتِ تُضْعِفُ الإيمانَ واليقينَ، فَيَضْعُفُ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَيَمْتَنِعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت