قولُهُ: (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ علَى مَا كَانَ مِن العَمَلِ) ، هذهِ الجُمْلَةُ جوابُ الشَّرْطِ، وفي رِوَايَةٍ: (( أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ) ). قَالَ الحافظُ: ومَعْنَى قولِهِ: (عَلَى مَا كانَ مِن العَمَلِ) ، أيْ: مِنْ صَلَاحٍ أوْ فَسَادٍ؛ لكنَّ أَهْلَ التَّوْحيدِ لَا بُدَّ لَهُم مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَلَى مَا كَانَ مِن العَمَلِ) أي: يُدْخِلَ أَهْلَ الجَنَّةِ الجنةَ عَلَى حَسَبِ أَعْمالِ كلٍّ مِنْهم في الدَّرَجَاتِ. انتهى.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: مَا وَرَدَ في حَدِيثِ عُبَادَةَ يكُونُ مَخْصُوصًا لِمَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَرَنَ بالشَّهادَتَيْنِ حَقِيقَةَ الإيمانِ والتَّوْحيدِ الذي وَرَدَ في حدِيثِهِ، فيكونُ لهُ مِن الأجْرِ ما يَرْجَحُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، ويُوجِبُ لهُ المغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ ودُخُولَ الجَنَّةِ لأَوَّلِ وَهْلَةٍ.
قال العَلَّامةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَه اللهُ تعالى: والمَقْصُودُ أنَّ كلمةَ التَّوْحِيدِ إذا شَهِدَ بِها المُؤْمِنُ عارِفًا لِمَعْناها وحَقِيقَتِه نَفْيًا وإِثْباتًا، مُتَّصِفًا بِمُوجَبِها قائِمًا قَلْبُه ولِسانُهُ وجَوَارِحُهُ بِشَهادَتِهِ، فهذه الكلمةُ من هذا الشَّاهدِ. أَصْلُها ثابتٌ راسِخٌ في قَلْبِهِ، وفُروعُهَا مُتَّصِلةٌ في السَّماءِ، وهي مُخْرِجةٌ لِثَمَرَتِها كُلَّ وَقْتٍ. انْتَهَى.
(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالى: (وَلَهُمَا في حدِيثِ عِتْبَانَ:(( فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ) )).
قَوْلُهُ: (ولَهُمَا) ، أي: البُخَارِيِّ ومُسْلِمٍ في صَحِيحَيْهِما بكَمَالِهِ. وهذا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
وَعِتْبَانُ بكَسْرِ المُهْمَلَةِ بَعَدَها مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ ثمَّ مُوَحَّدَةٌ، ابنُ مالكِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَجْلَانِ الأنْصارِيُّ، مِنْ بَنِي سَالِمِ بنِ عَوْفٍ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، مَاتَ في خِلَافَةِ مُعاوِيَةَ.
وأَخَرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِسَنَدِهِ عنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنا أنسُ بنُ مالكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ: (( يَا مُعَاذُ ) )، قَالَ: لَبَّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (( يَا مُعَاذُ ) )، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: (( يَا مُعَاذُ ) )، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: (( مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالى عَلَى النَّارِ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: (( إِذًا يَتَّكِلُوا ) )، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
وسَاقَ بسَنَدٍ آخَرَ: حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: (( مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ ) )، قَالَ: أَفلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: (( لَا؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا ) ).
قُلتُ: فَتَبَيَّنَ بهذا السياقِ مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّها تَتَضَمَّنُ تَرْكَ الشِّرْكِ لِمَنْ قَالَها بِصِدْقٍ ويَقَينٍ وإِخْلَاصٍ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ وغيرُهُ في هذا الحديثِ ونحوِهِ: إنَّها فِيمَنْ قَالَها ومَاتَ عَلَيْهَا، كَمَا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بقَوْلِهِ: (( خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهَا بِصِدْقٍ ويَقِينٍ ) )؛ فإنَّ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ انْجِذَابُ الرُّوحِ إلى اللَّهِ تَعَالَى جُمْلَةً، فمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ لِأَنَّ الإخْلَاصَ هوَ انْجِذَابُ القَلْبِ إلى اللَّهِ تَعَالَى بأنْ يَتُوبَ مِن الذُّنوبِ