وقولُهُ: (أَلْقاهَا إِلى مَرْيَمَ) ، قالَ ابنُ كَثِيرٍ: خَلَقَهُ بالْكَلِمةِ التي أَرْسَلَ بها جَبْرائِيلَ عليه السلامُ إلى مَرْيمَ، فنَفَخَ مِنْ رُوحِهِ بأمْرِ رَبِّهِ عزَّ وجَلَّ، فكَانَ عيسَى بإذنِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فهوَ ناشئٌ عن الكَلِمَةِ التي قَالَ لهُ (كُنْ) فكَانَ، والرُّوحِ التي أَرْسَلَ بها جَبْرائِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ.
قولُهُ: (وَرُوحٌ مِنْهُ) ، قَالَ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: (عِيسَى رُوحٌ مِن الأَرْواحِ التي خَلَقَها اللَّهُ تعالى واسْتَنْطَقَها بقولِهِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ، بَعَثَه اللَّهُ إلى مَرْيمَ فَدَخَلَ فيهَا) ، رَواهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَحْمَدَ في زوائدِ المُسْنَدِ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ أَبِي حَاتمٍ وغَيرُهم. قَالَ الحافظُ: وَوَصَفَهُ بأَنَّهُ مِنهُ، فالمَعْنَى أَنَّهُ كائنٌ منهُ، كَمَا في قولِهِ تَعَالَى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، فالمَعْنَى أَنَّهُ كائنٌ منهُ، كَمَا أنَّ مَعْنَى الآيةِ الأُخْرَى أَنَّهُ سَخَّرَ هذهِ الأشياءَ كائنةً منهُ، أيْ: أَنَّهُ مُكَوِّنٌ ذلكَ ومُوجِدُهُ بقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلَامِ: المُضافُ إلى اللَّهِ تَعَالَى إذَا كانَ مَعْنًى لَا يَقُومُ بنَفْسِهِ ولَا بِغَيْرِهِ مِن المَخْلُوقاتِ وَجَبَ أنْ يَكُونَ صفةً للَّهِ تَعَالَى قائمةً بِهِ، وامْتَنَعَ أنْ تَكُونَ إضَافتُها إضافةَ مَخْلوقٍ مَرْبُوبٍ. فإذا كَانَ المُضافُ عَيْنًا قَائِمَةً بنَفْسِهَا، كعيسَى وجَبْرائِيلَ عَلَيْهِما السَّلَامُ وأَرْواحِ بني آدمَ، امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ صِفَةً للَّهِ تَعَالَى؛ لأنَّ مَا قَامَ بنَفْسِهِ لَا يكونُ صِفَةً لغَيْرِهِ.
لكنَّ الأَعْيانَ المُضَافَةَ إلى اللَّهِ عَلَى وجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنْ تُضَافَ إليهِ لِكَوْنِهِ خَلَقَها وأَبْدَعَها، فهذا شَامِلٌ لجَمِيعِ المخلوقاتِ، كقولِهِم: سماءُ اللَّهِ، وأَرْضُ اللَّهِ. فجَمِيعُ المَخْلُوقِينَ عَبيدُ اللَّهِ، وجَمِيعُ المالِ مالُ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثَّانِي: أنْ يُضَافَ إليهِ لِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنًى يُحِبُّهُ ويَأْمُرُ بِهِ ويَرْضَاهُ، كَمَا خَصَّ البَيْتَ العَتِيقَ بِعبادَةٍ فيهِ لَا تَكُونُ في غَيْرِهِ، وكَمَا يُقَالُ عن مَالِ والفَيْءِ الخُمُسِ: هوَ مَالُ اللَّهِ ورسُولِهِ.
ومِنْ هذا الوَجْهِ: فعِبَادُ اللَّهِ هم الذينَ عَبَدُوهُ وأَطَاعُوا أمْرَهُ. فهَذِهِ إِضَافَةٌ تَتَضَمَّنُ أُلوهِيَّتَهُ وشَرْعَهُ ودِينَهُ، وتلكَ إضافةٌ تَتَضَمَّنُ رُبُوبِيَّتَهُ وخَلْقَهُ، انتهى مُلَخَّصًا.
قولُهُ: (والجَنَّةَ حَقٌّ والنَّارَ حَقٌّ) ، أيْ: وشَهِدَ أنَّ الجَنَّةَ التي أَخْبَرَ بِهَا تَعَالَى في كِتَابِهِ أَنَّهُ أَعَدَّهَا للمُتَّقِينَ حقٌّ ثَابِتَةٌ لَا شَكَّ فيها، وشَهِدَ أنَّ النَّارَ التي أَخْبَرَ بِهَا تَعَالَى في كِتَابِهِ أَنَّهُ أَعَدَّها للكَافِرينَ حَقٌّ، كذلكَ ثابتةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] ، وقَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] . وفي الآيَتَيْنِ ونَظَائرِهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ مخلوقَتَانِ الآنَ، خِلَافًا للمُبْتَدِعَةِ. وفيهما الإيمانُ بالمَعَادِ.