الرُّبُوبِيَّةُ والإلهيَّةُ فَهُمَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يُشْارِكُهُ في شيءٍ منْهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
وقَوْلُهُ: (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، أتَى بهاتَيْنِ الصفَتَيْنِ وجَمَعَهُما دَفْعًا للإفراطِ والتفريطِ؛ فإنَّ كثيرًا ممَّنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْرَطَ بالغُلُوِّ قَوْلًا وفِعْلًا، وفَرَّطَ بتَرْكِ مُتَابَعَتِهِ، واعْتَمَدَ على الآراءِ المخالِفَةِ لِمَا جَاءَ بِهِ، وتَعَسَّفَ في تأويلِ أخبارِهِ وأحْكامِهِ بصَرْفِها عنْ مدْلُولِهَا والصَّدْفِ عن الانْقِيادِ لَها مَعَ اطِّرَاحِهَا؛ فإنَّ شَهَادَةَ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه ورَسُولُهُ تَقْتَضِي الإيمانَ بهِ وتَصْدِيقَهُ فيما أَخْبَرَ، وطاعتَهُ فيما أمَرَ، والانتهاءَ عَمَّا عنهُ زَجَرَ، وأنْ يُعَظِّمَ أَمْرَهُ ونَهْيَهُ، ولَا يُقَدِّمَ عَلَيهِ قَوْلَ أحَدٍ كائنًا مَنْ كانَ. والواقِعُ اليومَ وقَبْلَهُ خلافُ ذلكَ، واللَّهُ المُسْتعانُ.
ورَوَى الدَّارِميُّ في مُسْنَدِهِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (إنَّا لَنَجِدُ صِفةَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سمَّيتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولا صَخَّابٍ بالأسواقِ، ولَا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ مِثْلَها، ولَكِنْ يَعْفُو ويَتَجَاوَزُ، لَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى يُقيمَ الملَّةَ المُتَعَوِّجَةَ بأنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا) . قَالَ عَطَاءُ بنُ يَسَارٍ: وأَخْبَرَنِي أبو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ ابنُ سَلَامٍ.
قولُهُ: (وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) ، أيْ: خِلَافًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ النَّصارَى أَنَّهُ اللَّهُ أو ابنُ اللَّهِ، أوْ ثَالثُ ثَلَاثَةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كبيرًا، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنونَ: 91] ، فَلَا بُدَّ أنْ يَشْهَدَ أنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ عَلَى عِلْمٍ ويَقِينٍ بأَنَّهُ مَمْلُوكٌ للَّهِ، خَلَقَهُ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمرانَ: 59] ، فلَيْسَ رَبًّا ولَا إلَهًا، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مَرْيَم: 29، 30] ، وقَالَ: {لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا} [النساء: 172] .
ويَشْهَدُ المؤمنُ أيضًا ببُطْلَانِ قولِ أعْدَائِهِ اليهودِ: إِنَّهُ وَلَدُ بَغِيٍّ، لَعَنَهُم اللَّهُ. فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ أَحَدٍ حَتَّى يَتَبرَّأَ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا في عِيسَى عليهِ السَّلَامُ، ويَعْتَقِدُ مَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى فيهِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ.
قولُهُ: (وَكَلِمَتُهُ) ، إنَّما سُمِّيَ عِيسَى عليهِ السَّلَامُ كلمتَه لِوُجُودِهِ بقَوْلِهِ (كُنْ) كَمَا قَالَهُ السَّلَفُ مِن المُفَسِّرِينَ. قَالَ الإِمامُ أَحْمَدُ في (الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ) : الكَلِمَةُ التي أَلْقاها إلى مَرْيمَ حِينَ قَالَ لهُ: (كُنْ) ، فَكَانَ عِيسَى بِكُنْ، وليسَ عيسَى هوَ (كُنْ) ، ولَكِنْ كَانَ بـ (كُنْ) . فكُنْ مِن اللَّهِ تَعَالَى قَوْلا، وليسَ (كُنْ) مَخْلُوقًا، وكَذَبَ النَّصَارَى والجَهمِيَّةُ عَلَى اللَّهِ في أَمْرِ عيسَى، انتهى.