فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 339

وما شَعَرُوا أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ وغيرَهم يُشارِكُونَهم في الإقرارِ بهذا المَعْنى، ويَعْتَقِدُون أنَّ اللهَ هو الخالقُ القادرُ على الاختراعِ، كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْحَمِيدُ} [الزخرف: 9] .

فأَخْبَرَ تعالى عنهم أَنَّهم اتَّخَذُوا الأولياءَ مِن دونِهِ، وقالوا: {مَا نَعبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر: 3] . فتَبًّا لِمَن كان أبو جَهْلٍ ورُؤوسُ الكُفْرِ مِن قُرَيْشٍ وغيرُهم أَعْلَمَ منه بِمَعْنَى لا إلهَ إلَّا اللهُ!!

قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 35،36] . فعَرَفُوا أنَّها تَدُلُّ على تَرْكِ عِبادةِ مَعْبُوداتِهِ.

قُلْتُ: ودَلالتُها على هذا دَلالةُ تَضَمُّنٍ، وأنَّ ذلك يَقْتَضِي إِخْلاصَ العِبادةِ للهِ وحدَه. فدَلالتُها على نَفْيِ الإلهيَّةِ وعِبادتِها، وإِفْرادِ اللهِ تعالى بِالعِبادةِ دَلالةُ مُطابَقةٍ.

فَدَلَّتْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عَلَى نَفْيِ العبادةِ عنْ كلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى كَائِنًا مَا كَانَ، وإثباتِ الإلهيَّةِ للَّهِ وحْدَهُ دونَ مَا سِوَاهُ، وهذا هوَ التَّوْحِيدُ الذي دَعَتْ إِلَيهِ الرُّسلُ ودَلَّ عَلَيهِ القُرْآنُ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عن الجنِّ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجنّ: 1 - 2] ، فَـ (لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ) لَا تَنْفَعُ إلَّا مَنْ عَرَفَ مَدْلولَها نَفْيًا وإِثْباتًا، واعْتَقَدَ ذلكَ وَقَبِلَهُ وعَمِلَ بهِ. وأمَّا مَنْ قَالَها عنْ غيرِ عِلْمٍ واعتقادٍ وعملٍ، فقدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ العلماءِ أنَّ هذا جَهْلٌ صِرْفٌ، فهو حُجَّةٌ عَلَيهِ بِلَا رَيْبٍ.

فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: (وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ) ، تَأْكِيدٌ وبيانٌ لمَضْمُونِ معناها. وقَد أَوْضَحَ اللَّهُ تعالى ذلكَ وبيَّنَهُ في قَصَصِ الأنبياءِ والمُرْسَلِينَ في كِتَابِهِ المُبِينِ، فَمَا أَجْهَلَ عُبَّادَ القُبورِ بِحَالِهِم! ومَا أَعْظَمَ ما وقَعُوا فيهِ؛ فإنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ ونحْوَهُم جَحَدُوا (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ) لَفْظًا ومعنًى، وهؤلاءِ المُشرِكُونَ أَقَرُّوا بِهَا لفْظًا وجَحَدُوهَا مَعْنًى، فَتَجِدُ أَحَدَهم يَقُولُها وهو يَأْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ بأَنْواعِ العبادَةِ، كالْحُبِّ والتَّعْظيمِ، والخَوْفِ والرَّجَاءِ، والتَّوكُّلِ والدُّعَاءِ، وغَيْرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ العبادَةِ. بلْ زَادَ شِرْكُهُم عَلَى شِرْكِ العَرَبِ بِمَرَاتِبَ؛ فإنَّ أَكثرَهم إذا وَقَعَ في شِدَّةٍ أخْلَصَ الدُّعَاءَ لغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، ويَعْتَقِدونَ أَنَّهُ أَسْرَعُ فَرَجًا لَهُم، بِخِلَافِ حَالِ المُشْرِكِينَ الأَوَّلِينَ؛ فإنَّهم يُشْرِكُونَ في الرَّخَاءِ، وأَمَّا في الشَدَائِدِ فإِنَّما يُخْلِصُونَ للَّهِ وحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] ، فبهذا تَبَيَّنَ أنَّ مُشْرِكِي أَهْلِ هذهِ الأزْمانِ أَجْهَلُ باللَّهِ وبتَوْحِيدِهِ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ ومَنْ قَبْلَهُم.

وقولُهُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، أيْ: وَشَهِدَ بذلكَ، وهوَ مَعْطوفٌ على ما قَبْلَهُ على نِيَّةِ تَكْرارِ العَامِلِ، ومَعْنَى (العَبْدِ) هُنا المَمْلُوكُ العابِدُ، أيْ: أَنَّهُ مملوكٌ للَّهِ تعالى، والعبودِيَّةُ الخاصَّةُ وَصْفُهُ، كمَا قالَ تَعالَى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزُّمَر: 36] ، فأَعْلَى مَرَاتِبِ العَبْدِ العُبُودِيَّةُ الخَاصَّةُ والرِّسَالَةُ؛ فالنَّبِيُّ محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الخَلْقِ في هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ، وأمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت