فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 9

(واستقرت) هذه الممالك في أيدي المسلمين إلى) حدود الخمسمائة من الهجرة) فلما كان في (سنة بضع وتسعين وأربعمائة) و قد ضعفت الدول الشامية والمصرية في (الدولة الفاطمية) تدنت الفرنج لعنهم الله إلى بعض السواحل فملكوها، فمن ذلك مدينة (إنطاكية، واطرابلس، وتلك السواحل المتاخمة للبحر) ودخل ملكهم (كندهري) لعنهم الله فأخذ (بيت المقدس) المطهر يوم جمعة فجمع ممن فيه من العباد والزهاد والقاطنين به من المسلمين نحوًا من سبعين ألفًا فقتلهم في صبيحة واحدة رحمهم الله ولعن كندهري وقومه واستمر بيت المقدس في أيديهم نحوًا من (تسعين سنة) حتى انتزعه من أيديهم الملك الناصر (صلاح الدين يوسف بن أيوب) رحمه الله (سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة) واسترجع ما كانوا استحوذوا عليه - من بلاد غزة ونابلس وعجلون والغور وبلاد الكرك والشوبك وما إليه من البلاد، واسترد منهم (صفد) وأكثر السواحل البحرية إلا (عكا وصور) ، فاقتدى به الملوك بعده، فاستنقذوا منهم بقية السواحل، حتى كان آخرها (عكا) التي فتحها الملك (الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاوون رحمه الله) وذلك في سنة (تسعين وستمائة) فلم يبق للفرنج في السواحل جليل ولا حقير ولا مقدار قطمير، ولا فتيل ولا نقير، ولله الحمد والمنة، وبه التأييد والعصمة.

فزعم الذين كفروا من هؤلاء الفرنج - لعنهم الله بما حدثتهم به أمانيهم الكاذبة - أنهم يسترجعون ما كان بأيدي أسلافهم لعنهم الله من هذه السواحل المذكورة، وهيهات، كذبت والله الظنون، وخزي الكافرون، والله حائل بينهم وبين ما يشتهون. ليست هذه الدول كمن تقدم ذكرهم من الدول الضعيفة التي استحوذوا في أيامها على ما ذكرناه من السواحل، هؤلاء أكثر عَددًا وعٌددا، وأعز ملكًا وأشد بأسًا وتنكيلًا.

وزعم صاحب قبرس لعنه الله أنه سيعود ملك بيت المقدس إليهم (ولا سبيل لهم على ذلك مرة أخرى) أبد الآبدين ودهر الداهرين.

(وهذه بشارة) أيشر بها جميع المؤمنين لشيء استنبطته من الكتاب العزيز المبين، وسنة سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين:-

(( أما الكتاب ) )فقوله تعالى: (( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) )

فذكر تبارك وتعالى أنه سلط على بني إسرائيل بذنوبهم عدوا من سواهم فقتل من المقاتلة خلقًا كثيرًا وسبى من الذرية جمًا غفيرًا. وهذا المسلط عليهم - فيما ذكره أكثر المفسرين (بختنصر) صاحب العراق، وقيل نائبه. هذه في المرة الأولى كما قال تعالى (( فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ ) ).

ثم ذكر تعالى أن في المرة الثانية أراد الأعداء أن يفعلوا معهم كما فعلوه أول مرة، فذكر تعالى أنه رحمهم ولم يسلط عليهم عدوهم، بل أجارهم من ذلك وأدالهم على أعدائهم (فنحن أيضا ً أيتها الأمة المحمدية) قد ابتلينا في بيت المقدس باستحواذ الأعداء عليه في حدود (الخمسمائة سنة) وأنه استمر في أيديهم (تسعين سنة) حتى أنقذه الله من أيديهم على يد الملك الناصر (صلاح الدين يوسف) كما تقدم فليس لهم إليه بعد ذلك سبيل إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، لأن هذه الأمة أحق بكل خير وعز ونصر من جميع الأمم المتقدمة لشرفها بشرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت