وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه: لاستقامت لهم دنياهم أعْظَمَ استقامة.
وبالجملة: فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بِرُمَّته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى: سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها ؟! .
ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك, وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّقَ الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عمّا ما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناسُ به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزَبَد أفكارهم وزُبالة أذهانهم عن القرآن والحديث ؟!!! فالله المستعان .
وقد قال الله تعالى: { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتْلَى عليهم، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ، وقال تعالى: { وأنزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } ، وقال تعالى: { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين } ] (1) .
ــ ولذلك: كان شر الأمور: محدثاتها، وكان الإحداث في دين الله_ تقديمًا بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: بالآراء، والأهوآء، والبدع_ والهدى: نقيضين لا يجتمعان، ومن ثم: نهى الشارع عن الإحداث، وذمه وحذر منه غاية الذم والتحذير:
* قال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
فنهى تعالى عن اتباع السبل من الآراء والأهوآء، ونص تعالى على أن اتباع هذه السبل: بعدٌ عن الصراط المستقيم ومجانبة له:
(1) "إعلام الموقعين4/375: 377".