الصفحة 34 من 111

(4) وتفخيمِ شأنِ المحكومِ به وتعظيمِه منْ جهةِ إسنادِه إلى ذلكَ الموصولِ بِصِلَتِه، نحوَ: (إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ) ، أيْ: رَفَعَها، (بَنَى لنا بَيْتًا) ، أيْ: بيتَ الشرَفِ والْمَجْدِ، (دعائِمُه) ، أيْ: قوائمُ ذلكَ البيتِ، (أَعَزُّ وأَطْوَلُ) منْ دعائمِ كلِّ بيتٍ. فالإتيانُ بالموصولِ معَ صِلَتِه، وإسنادُ المحكومِ بهِ إليه، يَدُلُّ على فَخامَةِ شأنِ المحكومِ بهِ؛ لكونِه فِعْلُ مَنْ رَفَعَ السماءَ التي لا بِناءَ أعْظَمَ وأرفَعَ منها في مَرْأَى الْعَيْنِ.

(5) والتهويلِ تعظيمًا وتحقيرًا، أيْ تَهويلِ معناهُ لقَصْدِ تعظيمِه أوْ تحقيرِه، نحوَ: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} ، فإنَّ في هذا الإبهامِ الكائنِ في الموصولِ من التهويلِ والتعظيمِ ما لا يَخْفى؛ لِمَا فيهِ من الإيمَاءِ إلى أنَّ تفصيلَه تَقْصُرُ عنه العِبارةُ. ونحوَ: مَنْ لمْ يَدْرِ حقيقةَ الحالِ قال ما قالَ، فالموصولُ في قولِه: قالَ ما قالَ، يَدُلُّ على أنَّهُ بَلَغَ من التحقيرِ غايةً لا تُدْرَكُ، ولا تَفِي العبارةُ بتفصيلِها.

(6) والتَّهَكُّمِ، نحوَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} ، فإنَّ قولَهم: الذي نُزِّلَ عليهِ الذِّكْرُ، إنَّما هوَ على وجهِ التَّهَكُّمِ والاستهزاءِ منهم، كما قالَ فِرْعَوْنُ: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ، كيفَ وهمْ لا يُقِرُّونَ بنزولِ الذِّكْرِ عليهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

(وأَمَّا الْمُحَلَّى بألْ) فيُؤْتَى بهِ إذا كانَ الغَرَضُ الحكايةَ عن الجنْسِ نفسِه، أيْ منْ غيرِ اعتبارٍ لِمَاصَدَقَ عليهِ من الأفرادِ، ولكِنْ لا بُدَّ فيهِ من اعتبارِ حضورِ الحقيقةِ الجنسيَّةِ في الذهْنِ؛ ليَتَمَيَّزَ عن اسمِ الجنسِ النكرةِ، فإنَّ الغَرَضَ منهُ، وإنْ كانَ هوَ الحكايةَ عن الجنْسِ منْ حيثُ هوَ، لكن لا باعتبارِ كونِه حاضرًا في الذهْنِ نحوَ: الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ، فإنَّ المرادَ بلفظِ الإنسانِ نفسُ معناهُ الجنسيِّ ومفهومِه الذهنيِّ، لا فردٌ منْ أفرادِه؛ لأنَّ التحديدَ إنَّما يكونُ للحقيقةِ نفسِها لا لأفرادِها. وتُسَمَّى ألْ جِنْسِيَّةً، وأيضًا تُسَمَّى ألْ طَبَعِيَّةً.

أو الحكايةَ عنْ معهودٍ، أيْ عنْ فردٍ معهودٍ بينَ المتكلِّمِ والمخاطَبِ منْ أفرادِ الجنْسِ، واحدًا كانَ أوْ أكثرَ. وعهدُه الْمُفَادُ باللامِ إمَّا بتَقَدُّمِ ذِكْرِه، فيكونُ هذا الذكْرُ طريقَ العَهْدِ؛ لكونِه قرينتَهُ، نحوَ: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} ، فذَكَرَ الرسولَ أوَّلًا مُنَكَّرًا بإرادةِ بعضِ الرُّسُلِ، ثمَّ لَمَّا أعادَهُ، وهوَ معهودٌ بالذِّكْرِ، أَدْخَلَ أل العَهْدِيَّةَ إشارةً إلى المذكورِ بعينِه.

وإمَّا بحضورِه بذاتِه، فيكونُ هذا الحضورُ طريقَ عهدِه، نحوَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، فاليومَ إشارةٌ إلى اليومِ الحاضرِ بذاتِ المعهودِ في الخارجِ.

وإمَّا بمعرفةِ السامعِ لهُ بواسطةِ القرائنِ، فتَقُومُ هذه المعرفةُ مَقامَ ذِكْرِه، نحوَ: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، أي: المعلومةِ لكَ. قيلَ: وكانتْ تلكَ الشجرةُ سَمُرَةً، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالسًا في أصْلِها، وعلى ظهْرِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غُصْنٌ منْ أغصانِها. وتُسَمَّى ألْ عَهْدِيَّةً، أيْ عَهْدِيَّةً خارجيَّةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت