الصفحة 33 من 111

وأمَّا الثاني، فوجْهُ ذلكَ أنَّ البعيدَ مسافةً لكونِه لا يُنالُ بالأيدي شأنُه العظمةُ، فنَزَّلَ أعظَمَ درجةِ المشارِ إليهِ وشرَفَ مَنْزِلَتِه بمنزلةِ بُعدِ المسافةِ. ومثالُ ذلكَ قولُه تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} ، أيْ: ذلكَ الرفيعُ المنزلةِ في البلاغةِ، العزيزُ الْمَرْتَبَةِ في علومِه وأسلوبِه، وهوَ الكتابُ الكاملُ الذي يَستَحِقُّ أنْ يُسَمَّى كتابًا، حتَّى كأنَّهُ لا كتابَ سواهُ.

(5) والتحقيرِ، يعني أنَّ اسمَ الإشارةِ كما يُؤْتى بهِ لسببِ دَلالتِه على القُرْبِ والبُعْدِ لقَصْدِ تعظيمِ المشارِ إليه بوجْهِه الذي ذُكِرَ، كذلكَ قدْ يُؤْتَى بهِ بسببِ هذه الدِّلالةِ لقَصْدِ تحقيرِه، فيُحْمَلُ القربُ على دُنُوِّ الْمَرْتَبَةِ وسفالةِ الدرجةِ، والبعدُ على البُعْدِ عنْ ساحةِ عزِّ الحضورِ والخطابِ، نحوَ قولِ الكفَرَةِ مُشيرًا للنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} . فمقصودُهم -لعْنَةُ اللَّهِ عليهم- بإيرادِ اسمِ الإشارةِ الْمُفْهِمِ للقُربِ تحقيرُ شأنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كأنَّهُم يقولونَ: أهذا الْحَقيرُ الذي يَذْكُرُ آلهتَكم بنفيِ الأُلوهيَّةِ عنها. ونحوَ: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} ، أيْ: فذلكَ الحقيرُ البعيدُ لحقارتِه عنْ عِزِّ الْخِطابِ والحَضْرَةِ، {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} ، فقدْ عَبَّرَ باسمِ الإشارةِ الموضوعِ للبُعدِ قَصْدًا لحقارتِه.

وأمَّا الموصولُ فيُؤْتَى بهِ إذا تَعَيَّنَ طريقًا لإحضارِ معناهُ بأنْ لا يكونَ للمتكلِّمِ علْمٌ سوى اتِّصافِه بمضمونِ جملةٍ هيَ الصِّلَةُ، كقولِك: الذي كانَ مَعَنَا أمسِ مسافِرٌ، إذا لمْ تكُنْ تعرفُ اسْمَه، ولا أحوالَه الْمُخْتَصَّةَ بهِ سوى الصِّلَةِ. أمَّا إذا لمْ يَتَعَيَّنْ طريقًا لذلكَ فيكونُ لأغراضٍ أُخرى:

كالتعليلِ، بأنْ يكونَ التعبيرُ عن المخبَرِ عنهُ بالموصولِ بِصِلَتِه مُشْعِرًا بعِلَّةِ ثبوتِ الخبَرِ للمُخْبَرِ عنه، نحوَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} ، فهذا التعبيرُ مُشْعِرٌ بأنَّ إيمانَهم وأعمالَهم الصالحاتِ عِلَّةٌ لكَوْنِ الجنَّاتِ لهم.

وإخفاءِ الأمرِ عنْ غيرِ المخاطَبِ، حيثُ لا يَعْرِفُه على وجهِ انتسابِ الصِّلَةِ إلَّا المخاطَبُ، نحوَ:

وأَخَذْتُ ما جادَ الأميرُ بهِ ... وقَضَيْتُ حاجاتِي كما أَهْوَى

فالتعبيرُ عنْ هذا الشيءِ الذي جادَ بهِ الأميرُ بالموصولِ بِصِلَتِه؛ لإخفائِه عنْ غيرِ المخاطَبِ من الحاضرينَ، حيثُ لا يعرفُه على هذا الوجهِ إلَّا المخاطَبُ.

(3) والتنبيهِ على الخطأِ: أيْ تنبيهِ المتكلِّمِ للمخاطَبِ على خَطَئِه وَغَلَطِه، نحوَ: (إِنَّ الذينَ تُرَوْنَهُمْ) بصيغةِ المجهولِ، والمعنى على البناءِ للفاعلِ أيْ: تَظُنُّونَهم؛ لأنَّ استعمالَ الإرَاءَةِ بمعنى الظَّنِّ بصورةِ الْمَبْنِيِّ للمجهولِ وإنْ كانَ المعنى على البناءِ للفاعلِ. (إِخْوَانَكُمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهم) ، أيْ: عَطَشَ قلوبِهم وحِقْدَهم. (أنْ تُصْرَعوا) ، أيْ: تُصابوا وتَهْلِكوا بالحوادثِ. ففي هذا التعبيرِ من التنبيهِ على خَطَئِهم في هذا الظَّنِّ ما ليسَ في قولِك لوْ قلتَ: إنَّ القومَ الفُلانِيَّ يَشْفِي غليلَ صدورِهم أنْ تُصْرَعوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت