الصفحة 39 من 89

يعني: حَذَفَ منها ثُلُثَها، ثمَّ أَمَرَهما أنْ يُنْشِدَا شِعْرًا في المعنى، فتَقارَبَا في المعنى ولمْ يَتقارَبَا في اللفظِ. وهناكَ قِصصٌ تَتقاربُ, كما ذَكَروا أنَّ هارونَ الرشيدَ قالَ لبعضِ الشعراءِ حولَهُ: مَنْ يُنْشِدُنِي شِعْرًا يَتضمَّنُ قولَهُ (كلامُ الليلِ يَمْحُوهُ النهارُ) ؟ فكلُّ واحدٍ منهم أَنْشَأَ ثلاثةَ أبياتٍ مختومةٍ بقولِ: كلامُ الليلِ يَمحوهُ النهارُ، ولكنْ معَ ذلكَ تَفاوَتَت الكلماتُ. والقصصُ كثيرةٌ.

يقولُ:"وكذلكَ إذا حَدَّثَ هذا حديثًا طويلًا، فيهِ فُنُونٌ، وحدَّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ؛ فإنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ وَاطأَهُ عليهِ، أوْ أَخَذَهُ منهُ، أوْ يكونَ الحديثُ صِدْقًا".

يَكْثُرُ في المتأخِّرينَ سَرِقَةُ الحديثِ، فيقالُ: هذا سَرَقَ حديثَ فُلانٍ، معَ أنَّهُ أتى بهِ، يعني: بلفظِهِ، ممَّا يَدُلُّ على أنَّهُ سَرَقَهُ، سيَّما إذا كانَ هذانِ ضعيفَيْنِ؛ اللَّذَيْنِ حَدَّثَا بهذا الحديثِ عنْ فُلانٍ الثقةِ؛ إذا كانا ضَعِيفَيْنِ؛ عُلِمَ أنَّ أحدَهما سَرَقَ الحديثَ عن الآخَرِ. كثيرًا ما يُقَالُ: فلانٌ معروفٌ بسَرقةِ الحديثِ.

يقولُ:"وبهذهِ الطريقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عامَّةِ ما تَتَعَدَّدُ جِهاتُهُ المختلِفَةُ، على هذا الوجهِ مِن المنقولاتِ". إذا كانتْ مُتَعَدِّدَةَ الطرُقِ، ومُتعدِّدَةَ الأسانيدِ؛ فإنَّهُ يُعْلَمُ صِدْقُها على هذا الوجهِ مِن المنقولاتِ، وإنْ لمْ يكُنْ أحدُها كافيًا، يعني: لوْ كانَ إسنادًا واحدًا لمْ يكُنْ كافيًا؛ لأنَّهُ قدْ يكونُ مُرْسَلًا، وقدْ يكونُ فيهِ ضَعيفٌ، لكنْ مثلُ هذا لا تُضْبَطُ بهِ الألفاظُ والدقائقُ التي لا تُعْلَمُ بهذهِ الطَّرِيقِ، فلا يَحتاجُ ذلكَ إلى طريقٍ يَثْبُتُ بها مِثلُ تلكَ الألفاظِ والدقائقِ، فإذا كانَ حديثُ الفرْدِ لا يُقْبَلُ، فسببُ ذلكَ أنْ يُقَالَ: إنَّ فيهِ سَقْطًا، أوْ فيهِ إِرْسَالًا، إِنَّ فيهِ ضعِيفًا؛ لأنَّ الطَّعْنَ إمَّا أنْ يكونَ بسَقْطٍ أوْ بطَعْنٍ.

يقولُ:"ولهذا ثَبَتَتْ بالتواتُرِ غَزوةُ بَدْرٍ، وأنَّها قبلَ غَزوةِ أُحُدٍ"ثَبَتَتْ، يعني: وإنْ لمْ تَكُن الأسانيدُ واضحةً، ولكنْ لَمَّا نَقَلَها هؤلاءِ الكثيرونَ عَلِمْنَا صِدْقَها وحقيقتَها، وأُشِيرَ إليها أيضًا في القرآنِ.

يقولُ:"بلْ يُعلَمُ قَطْعًا أنَّ حمزةَ وعَلِيًّا وعُبيدةَ بَرَزُوا إلى عُتبةَ وشيبةَ والوليدِ"يعني: ذَكَرَ ذلكَ عَلِيٌّ في تفسيرِ قولِ اللَّهِ تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ} قالَ: أَنَا أوَّلُ مَنْ يَجْثُو بينَ يَدَي اللَّهِ تعالى، الخصامةُ نَزلتْ فيَّ وفي حَمزةَ وعُبيدةَ بنِ الحارثِ، نَزلتْ فينا؛ ذلكَ لأنَّهُ بَرَزَ ثلاثةٌ مِن المشركينَ: عُتبةُ بنُ ربيعةَ، وشيبةُ بنُ ربيعةَ، والوليدُ بنُ عتبةَ؛ فقالوا: مَنْ يَبْرُزُ لنا؟ فبَرَزَ لهم ثلاثةٌ مِن الأنصارِ، فقالوا: أَكْفَاءٌ كِرامٌ، إنَّما نُريدُ قَوْمَنا، فبَرَزَ لهم حَمزةُ وعَلِيٌّ وعُبيدَةُ، فقَتَلَ عَلِيٌّ الوليدَ، وحمزةُ قَتَلَ قِرْنَهُ، وأمَّا عُبيدةُ وقِرنُهُ فاختلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فضَرَبَ كلٌّ منهما الآخَرَ فأَرْدَاهُ، ثمَّ إنَّ عليًّا وحمزةَ جاءَا إلى عُبيدةَ وقتلا قِرْنَهُ. ما ذُكِرَ هنا أنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ، يعني: أَجْهَزَ عليهِ بعدَما جَرَحَهُ عُبيدةُ، وحمزةُ يُشَكُّ في قِرنِهِ: هلْ هوَ عُتبةُ أمْ شيبةُ؟

وهذا الأصلُ يَنبغِي أنْ يُعْرَفَ أنَّهُ أصلٌ نافعٌ في الجزْمِ بكثيرٍ مِن المنقولاتِ؛ مِن الحديثِ والتفسيرِ والمغازي، يعني: أنْ يُعْرَفَ متى يُقْبَلُ الحديثُ، ومتى يُقبَلُ التفسيرُ والمغازي، فَيُقَالُ: إذا جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وما يُنقَلُ مِنْ أقوالِ الناسِ وأفعالِهم؛ متى تُقْبَلُ؟ إذا جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وعُلِمَ أنَّ أحَدَ الطريقَيْنِ غيرُ الطريقِ الآخَرِ، وأنَّ هذا ما أُخِذَ مِنْ هذا.

ثمَّ يقولُ: ولهذا إذا رُوِيَ الحديثُ الذي يَتَأَتَّى فيهِ ذلكَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مِنْ وجْهَيْنِ، يعني: رواهُ اثْنَانِ مِن الصحابةِ أوْ ثلاثةٌ، ورُوِيَ كلُّ حديثٍ عنْ طُرُقٍ، معَ العلْمِ بأنَّ أحَدَهما ما أَخَذَهُ عن الآخَرِ؛ جُزِمَ بأنَّهُ حَقٌّ. يَحْدُثُ هذا كثيرًا، فمَثلًا قِصَّةُ المرأةِ التي حَبَسَتْ هِرَّةً، رواها ثلاثةٌ مِن الصحابةِ، كلٌّ منهم في جِهةٍ، فعُلِمَ بأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ حَدَّثَ بها يَقينًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الصحابةِ ما أَخَذَها عن الآخَرِ. وكذلكَ قِصَصٌ كثيرةٌ، إذا عُلِمَ أنَّ نَقَلَتَهُ ليْسُوا مِمَّنْ يَتعمَّدُونَ الكَذِبَ، وإنَّما يُخافُ على أحدِهم النسيانُ والغَلَطُ، فإنَّ مَنْ عَرَفَ الصحابةَ؛ كابنِ مسعودٍ، وأُبيِّ بنِ كعبٍ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ وأبي سعيدٍ، وأبي هُريرةَ، وغيرِهم؛ عَلِمَ يَقينًا أنَّ الواحدَ مِنْ هؤلاءِ لا يَتعمَّدُ الكذِبَ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ؛ وقدْ سَمِعُوهُ يقولُ: (( مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )، فَضْلًا عمَّنْ هوَ فوقَهم؛ كالخُلَفَاءِ الراشدينَ. كما يَعْلَمُ الرجُلُ مِنْ حَالِ مَنْ جَرَّبَهُ وخَبَرَهُ خِبرةً باطنةً طويلةً؛ أنَّهُ ليسَ ممَّنْ يَسْرِقُ أموالَ الناسِ، ولا ممَّنْ يَقْطَعُ الطريقَ، ولا ممَّنْ يَشهَدُ بالزُّورِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت