الصفحة 42 من 118

قولُه:"أو لو أنَّ النُّصْحَ مَقبولُ"فيه أربعُ مَسائلَ:

إحداها: أنه قد يَتَمَسَّكُ به مَن يَرَى أنَّ"أو"تأتي بمعنى الواوِ، ويَدَّعِي أنه ليس مُرادُه أن يَقَعَ أحَدُ الأمرينِ، بل أن يَقَعَا جَميعًا. وهذا قولُ أبي الْحَسَنِ، والْجرميِّ، وجماعةٍ مِن الْكُوفيِّينَ، وجَعَلُوا منه قولَه تعالى: {إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} وقولَ الشاعرِ: (البحر الطويل) .

وقد زَعَمَتْ بأنِّي فاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقاهَا أو عليها فُجُورُها

واسْتَدَلَّ ابنُ مالِكٍ بقولِ الآخَرِ: (جريرٍ) (البحر البسيط)

جاءَ الْخِلافةَ أو كانت له قَدَرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَر

ولعلَّ الاستدلالَ ببَيتِ كعبٍ أَظْهَرُ؛ لأنَّ"أو"في الآيةِ مُحتَمِلَةٌ للإبهامِ وللشَّكِّ مَصروفًا إلى الْمُخَاطَبِينَ , أي: لو رَأَيْتُمُوهم لشَكَكْتُم في عِدَّتِهم، فقُلتمْ: مائةُ ألْفٍ أو يَزيدونَ، وللإضرابِ: عندَ مَن أَثْبَتَه , وكلُّ ذلك مَقولٌ في الآيةِ.

وأمَّا البيتُ الأَوَّلُ، فمعناه: لِنَفْسي تُقاها إن كنتُ مُتَّقِيًا، أو عليها فُجورُها إن كنتُ فاجرًا، فـ"أو"فيه لأحَدِ الشيئينِ وليستْ بمعنى الواوِ.

وأمَّا البيتُ الثاني، فالذي وَقَعْتُ عليه في إنشادِه في كُتُبِ الشعْرِ والأدَبِ:"إذ كانت"فلعلَّ الذالَ تَصحيفٌ بالواوِ، وهو تَصحيفٌ قَريبٌ.

المسألةُ الثانيةُ: زَعَمَ الخليلُ أنه لا يَجوزُ الجمْعُ بينَ نحوِ:"يَسوءُ"و"يُسِيءُ"في قَافيتينِ، وإن جازَ جَمْعُ:"يَعودُ"و"يُعيدُ"واحْتَجَّ باختلافِ الرَّوِيِّ إذا خُفِّفَ الْهَمْزُ؛ إذ يَصيرُ واوًا وياءً. وخالَفَه أبو الْحَسَنِ مُحْتَجًًّا بأنَّ الشاعِرَ إذا بَنَى القَصيدةَ على التحقيقِ أَمِنَ الاختلافَ , واسْتَدَلَّ أبو الفَتْحِ لأبي الْحَسَنِ بقولِ الحماسيِّ: (البحر الطويل) .

لكلِّ أُناسٍ مَقْبَرٌ بفِنَائِهِمْ ... فهم يَنْقُصونَ والقُبورُ تَزيدُ

وما إن يَزالُ رَسْمُ دارٍ قد اخْلَقَتْ ... وعَهْدٌ لِمَيْتٍ بالفَناءِ جَديدُ

وذلك أنَّ الشاعِرَ بَناهُ على تَخفيفِ هَمْزٍ"اخْلَقَتْ"ولولَا ذلكَ لانْكَسَرَ الوَزْنُ، وإذا جازَ بِناءُ الشِّعْرِ على التخفيفِ، فبِناؤُه على التحقيقِ أَوْلَى؛ لأنَّه الأَصْلُ، وبيتُ كعبٍ نَظيرُ بيتِ الحماسيِّ.

وأَغْرَبُ مِن الاحتياطِ الذي ذَكَرَه الخليلُ رَحِمَه اللهُ في القَوَافِي ما قالَه أبو مُحَمَّدِ بنُ الْخَشَّابِ رَحِمَه اللهُ مِن أنه لا يَجوزُ أن تَكونَ القوافِي الْمُقَيَّدَةُ لو أُطْلِقَتْ لاختَلَفَ إعرابُها، واعْتَرَضَ على أبي القاسِمِ الحريريِّ في قولِه في الْمَقامَةِ التاسعةِ والعِشرينَ:

يا صارفًا عَنِّي الْمَوَدَّهْ ... والزمانُ له صُروفُ

ومُعَنِّفِي في نُصْحِ مَن ... جَاوَزْتَ تَعنيفَ العَسوفِ

لا تُلْحِنِي فيما أَتَيْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت