لَطَمَتْنِي. ولا يُسْتَثْنَى مِن ذلك إلا"كان"بعدَ"إنْ"و"لو"نحوَ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: (( الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) ). وقولِهم: الْمَرْءُ مَقتولٌ بما قُتِلَ به؛ إن سَيْفًا فسَيْفٌ، والفعلُ الْمَقرونُ بلا بعدَ"إنْ"كقولِه (البحر الوافر) :
فطَلِّقْهَا فلستَ لها بِكُفْءٍ ... وإلا يَعْلُ مِفْرِقَكَ الْحُسَامُ
أي: وإن لا تُطَلِّقْهَا.
الثاني: أنه مُبتدأٌ محذوفُ الخبَرِ وُجوبًا كما يُحْذَفُ بعدَ"لولا"، كذلك نَقَلَه ابنُ هِشامٍ عن أكثَرِ البَصْرِيِّينَ.
والثالثُ: أنه مُبتدأٌ لا خَبَرَ له أصلًا؛ اكتفاءً بِجَريانِ الْمُسْنَدِ والْمُسْنَدِ إليه في الذِّكْرِ مع الطُّولِ , نَقَلَه ابنُ عُصفورٍ عن البَصْرِيِّينَ، وزَعَمَ أنه لا يَحْفَظُ عنهم غيرَه.
والرابعُ: أنه يَجوزُ هذا، ويَجوزُ كونُه فاعلًا. قالَه الْمُبَرَّدُ.
المسألةُ الثالثةُ: ذَكَرَ الزَّمخشريُّ أنَّ خَبَرَ"أنَّ"الواقِعَةِ بعدَ"لو"إنما يكونُ فِعْلًا، ورَدَّهُ ابنُ الحاجِبِ بقولِه تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} وقالَ: الصوابُ تَقييدُ الوُجوبِ بما إذا كان الْخَبَرُ مُشْتَقًّا. وزادَ ابنُ مالِكٍ على ابنِ الحاجِبِ بأنه قد جَاءَ اسمًا معَ كونِه مُشْتَقًّا , كقولِ: (البحر السريع) .
لو أنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الفَلاحِ ... أَدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماح
وقد يُجابُ بأنه ضَرورةٌ كقولِه: لا تُكْثِرَنَّ إني عَسَيْتُ صائمًا.
والفَلَاحُ: البَقاءُ، والْمُرادُ بِمُلاعِبِ الرِّماحِ: مُلاعِبُ الأَسِنَّةِ: وهو عَلَمٌ على شَخْصٍ مَعروفٍ , ولَمَّا اضْطُرَّ الشاعِرُ غَيَّرَه , وهذا الجوابُ ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ذلك واقعٌ في كِتابِ اللهِ تعالى، قالَ اللهُ تعالى: {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ} . ولو اسْتَحْضَرَ هذه الآيةَ ابنُ مالِكٍ، لم يَعْدِلْ إلى الاستشهادِ بالشعْرِ، ولو اسْتَحْضَرَها الزَّمخشريُّ وابنُ الحاجِبِ، لم يَقُولا ما قَالَاه، وقد اشْتَمَلَ بيتُ كَعْبٍ رَحِمَه اللهُ على الإخبارِ بالفِعلِ في"صَدَقَتْ"وفي الاسمِ في قولِه:"مَقبولُ".
المسألةُ الرابعةُ: يَحْتَمِلُ قولُه:"مَوعودَها"ثلاثةَ أَوْجُهٍ:
أحدُهما: أن يكونَ اسمَ مفعولٍ على ظَاهِرِه، ويكونَ المرادُ به الشخصَ الموعودَ.
والثاني: أن يكونَ كذلك، ويكونَ الْمُرادُ به الشيءَ الموعودَ به.
والثالثُ: أن يكونَ مصدرًا على رأيِ أبي الحسَنِ في أنَّ الْمَصدَرَ يأتي على زِنَةِ مَفعولٍ، كالْمَعسورِ والْمَيسورِ، وفي قولِهم: دَعْهُ مِن مَعسورٍ إلى مَيسورٍ، أي: مِن عُسْرِه إلى يُسرِه، وحُمِل عليه قولُه تعالى: {بَأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أي: بأيِّكُمُ الفِتنةُ. وقيلَ: بل الْمَفتونُ اسمُ مفعولٍ، وأَيِّكُم مُبتدأٌ، والباءُ فيه زَائدةٌ، والمعنى: أَيُّكم الشخصُ الْمَفتونُ.
فإنْ قَدَّرْتَه اسْمًا للشخْصِ، فانتصابُه على الْمَفعوليَّةِ على وَجهِ الكلامِ وحَقيقتِه، وإن قَدَّرْتَه اسْمًا للموعودِ به، احْتَمَلَ أن يكونَ مَفعولًا به على الْمَجازِ، وكأنها وَعَدَتْ ذلك الشيءَ أنْ تَفِيَ به , وأن يكونَ على إسقاطِ"في"تَوَسُّعًا، كما في قولِهم في الْمَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بِكْرِهِ. ويَحتاجُ حينئذٍ إلى تَقديرِ مَفعولٍ حَقِيقِيٍّ، أي: لو صَدَقْتِنِي في الوَعْدِ الذي وَعَدَتْ به.
وإن قَدَّرْتَه مَصدرًا كان على التَّوَسُّعِ، أي: في وَعْدِها.