الصفحة 40 من 118

والثاني: الشرْطُ , ويُرَجِّحُ الأَوَّلَ سَلامتُه مِن دَعْوَى حَذْفٍ؛ إذ لا يَحتاجُ حِينئذٍ لتَقديرِ جَوابٍ، بل سَلامتُه مِن دَعْوَى كَثرةِ الْحَذْفِ إذا قِيلَ: إنَّ في الكلامِ حَذْفَ فعْلِ الشرْطِ، أو خَبَرِ الْمُبتدأِ، كما سَيأتِي.

ويُرَجِّحُ الثانيَ أنَّ الغالِبَ على"لو"كونُها شَرْطِيَّةً، ثم الجوابُ الْمُقَدَّرُ مُحْتَمِلٌ؛ لأن يكونَ مَدلولًا عليه بالمعنى، أي: لو صَدَقَتْ لتَمَّتْ خِلالُها، فيكونُ مِثْلُها في قولِه تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ} أي: لَرأيتَ أَمْرًا عظيمًا , ولأنْ يكونَ مَدلولًا عليه باللفظِ , أي: لكانت كَريمةً، فيكونُ مِثلَها في قولِه تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} الآيةَ, أي: لكَفَرُوا به بدليلِ: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} . والنَّحْوِيُّونَ يُقَدِّرُونَ: لكان هذا القُرآنُ، فيكونُ كالآيةِ قَبْلَها، والذي ذَكَرْتُه أَوْلَى؛ لأنَّ الاستدلالَ باللفظِ أَظْهَرُ.

ويَتَرَجَّحُ التقديرُ الثاني في البيتِ بأنه استدلالٌ باللفظِ، وأنَّ فيه رِباطًا للو بما قَبْلَها؛ لأنَّ دليلَ الجوابِ جَوابٌ في المعنى، حتى ادَّعَى الكُوفِيُّونَ أنه جَوابٌ في الصناعةِ أيضًا , وأنه لا تَقديرَ.

وقد يُقالُ: إنه يُبْعِدُه أمرانِ:

أحدُهما: أنَّ فيه اسْتِدلالًا بالإنشاءِ على الْخَبَرِ.

والثاني: أنَّ الكَرَمَ المرادُ به الشرَفُ مِثْلُه في: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} فلا يَحْسُنُ بحالِ الْمُحِبِّ تَعليقُ كَرَمِ مَحبوبتِه على شَرْطٍ، ولا سِيَّمَا شَرْطٌ مَعلومُ الانتفاءِ، وهو شَرْطُ"لو"وإن كان المرادُ به مُقابِلَ البُخْلِ لم يكنْ أَكْرِمْ بها مُناسِبًا لِمَقامِ التَّشْبِيبِ , بل لِمَقامِ الاستعطاءِ.

وقد يُجابُ عن الأَوَّلِ بأَمرينِ:

أحدُهما: مَنْعُ كونِ التَّعَجُّبِ إنشاءً، وإنما هو خَبَرٌ، وإنما امْتَنَعَ وَصْلُ الموصولِ بما أَفْعَلَه؛ لإبهامِهِ، وبِأَفْعِلْ به كذلك، معَ أنه على صِيغةِ الإنشاءِ , لا لأنهما إنشاءٌ.

الثاني: أنَّ الْمُرادَ مِن الدليلِ كونُه مُلَوِّحًا بالمعنَى المرادِ، وأنه لم يَصْلُحْ لأن يَسُدَّ المحذوفَ، ألا تَرَى إلى قَولِ الْحَماسيِّ (البحر البسيط) :

إذَنْ لقَامَ بنَصْرِيَ مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عندَ الْحَفيظةِ إن ذُو لَوْثَةٍ لَانَا

إذ المرادُ: إن لانَ ذُو لَوْثَةٍ خَشِنُوا، فاسْتَدَلَّ بالْمُفْرَدِ على الْجُملةِ، ومِثلُه: مَرَرْتُ بِمُحْسِنٍ إذا سُئِلَ، أي: إذا سُئِلَ أَحْسَنَ، واللَّوْثَةُ بالفَتْحِ: الْقُوَّةُ.

وعن الثاني: أنَّ الْمُرادَ به البُخْلُ، وهو أَعَمُّ مِن الكَرَمِ بالمالِ والوِصالِ، ولو قالَ قائلٌ: ولو وَفَتْ لي لكانتْ أَكْرَمَ الناسِ، أو: لكانتْ فِي جُودِ حاتمٍ ثم لم يَمْتَنِعْ ذلك.

وقد شَرَحْتُ مَعنَى"لو"الشرطيَّةِ في مُقَدِّمَةِ قَواعِدِ الإعرابِ شَرْحًا شَافِيًا، فأَغْنَى ذلك عن ذِكْرِه هنا.

المسألةُ الثانيةُ: اخْتُلِفَ في " أنَّ وَصِلَتِها بعدَ"لو"في مِثلِ هذا البيتِ وقولِه تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} على ثلاثةِ مَذاهِبَ:"

أحدُها: أنها فاعلٌ بفِعلٍ مَحذوفٍ تَقديرُه: ثَبَتَ، والدالُّ عليه"أنَّ"؛ فإنها تُعْطِي مَعنى الثبوتِ، وهذا قولُ الكُوفِيِّينَ والزَّجَّاجِ والزَّمخشريِّ. ويُبْعِدُه أنَّ الفِعْلَ لم يُحْذَفْ بعدَ"لو"وغيرِها مِن أَدواتِ الشرْطِ إلا مُفَسَّرًا بفِعْلٍ بعدَه، نحو قولِه تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ... وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} . {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} وقولِهم: لو ذاتُ سِوارٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت