صفحة 35
يوجبون نصب الإمام، ويحيلون خلو الزمان عن وجود إمام معصوم يهدي الخلق إلى معرفة الله.
وقال جمهور المتكلمين [5] : إن طريق معرفة الله تعالى إنما هو النظر والاستدلال، إذ العلم بوجوده ليس بضروري [6] ، فلا بد له من دليل، والدليل النقلي من الكتاب والسنة فرعٌ على ثبوته وثبوت النبوة، فلا يمكن الاستدلال به في الوصول، فتعيّن الاستدلال بالدلائل العقلية التي ورد النقل أيضًا بتصحيحها.
إثبات وجوده سبحانه وتعالى
فالطريق إلى إثباته تعالى: إما إمكان [1] العالم أو حدوثه [2] وإما مجموعهما، وكل
حاشية
[1] الحشوية مأخوذة من (( الحشو ) )بمعنى الإدخال، سُمّوا بذلك لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي: يدخلونها فيها وليست منها. وقيل: سُمّوا بالحشوية لِما يقولون به من أن الله تعالى ذو مكان، أي: يُصبِحُ في حشوِ العالَم، أي: داخله. وقيل: إن الحسن البصري حضر مجلسه يومًا أناس من الرعاع تكلموا بالسقط عنده؛ فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة _أي: وسطها_ فسُمُّوا بالحشوية. وهذه الفرقة كما قال شيخنا الدكتور حسن الشافعي تَجمَعُ مواقفَهم خصائصُ هي:
1 -الاعتماد على النص وحده طريقًا إلى الاعتقاد والمعرفة الدينية، ورفض العقل وأدلته.
2 -سوء فهم النصوص الدينية، حيث إن هذه النصوص تعتد بالعقل وتتضمن براهين عقلية لإثبات العقائد الدينية، ولا تكتفي بتقرير هذه العقائد عارية من الأدلة والبراهين.
3 -النزوع إلى الفهم الحرفي للنصوص، مما يؤدي بهم إلى التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه.
[2] أي: ظواهر النصوص الشرعية.
[3] أي: غير واجبة بالعقل وإنما تتوقف على السمع فقط.
[4] ساقط في: (ب) .
[5] والجهة في الحقيقة منفكة بين المتكلمين والصوفية، بقرينة قوله: (( ليستعد للواردات وشواهد المعرفة التي يعجز العقل عن تعبيرها ) )، فالواردات وشواهد المعرفة المقصودة مما ليس للعقل سبيل إليه، لكونها أمورًا ذوقية، بينما طريقة المتكلمين هي النظر والاستدلال، وكلاهما بخلاف الذوق، وثمرتهما خلاف ثمرته، وأمر الذوق لا يقوم إلا بعد التصديق العقلي، فطريقة الصوفية لا تناقض طريقة المتكلمين، بل تنبني عليها.
[6] علم البشر يتنوع إلى علم ضروري وعلم نظري، فالضروري ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، والنظري ما يحتاج إلى ذلك. فالعلم بالله تعالى ليس ضروريًا، إذ يحتاج إلى دليل، والمقصود أن ذلك لأغلب الناس، وإلا فبعضهم وجود الله عنده أظهر من كل شيء، كما قال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري: (( شتان بين من يستدل به ومن يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله، فأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يُستَدّلَّ عليه؟!، ومتى بَعُد حتى تكون الآثار هي الموصلةُ إليه؟! ) ). وكما قال أيضًا: (( اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، والواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه ) ).