على أنه أولى بالقصد كقول القبعثري وقد قال له الحجاج متوعدا لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحلم على الأدهم والأشهب أراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القبعثري بغير ما ترقبه من فهمه التوعد بألطف وجه مشيرا إلى أن من كان مثله في السلطنة والسعة غنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل لا أن يقيد فقال له الحجاج إنه حديدي فقال لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا.
ومنه إجابة السائل بغير ما يتطلب تنبيها على أنه الأولى أو الأهم قالوا كقوله تعالى: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج سألوا عن الهلال لم يبدو دقيقا ثم يتزايد حتى يستوى ثم ينقص حتى يعود كما بدا فأي فائدة تحت ذلك؟ فأجيبوا ببيان حكمة ذلك وهي أنه معرفة المواقيت والحلال والآجال وجازف بعضهم في العبارة حتى تعدى إلى أن قال لأنهم ليسوا ممن يطلع على دقائق الهيئة بسهولة وهذه قلة أدب منه وجهل بمقدار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقد كانوا أدق نظرا وأذكي فطنه من ألوف من أضرابه فظن أنه وأمثاله يسهل عليهم إدراك ذلك ويصعب على مثل أولئك أما شعر من السائل عن ذلك هو معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وهل ذلك بأدق من دقائق الفقه والفرائض التي اشتهر عنهم بعضها بالتوقيف وبعضها بالاستنباط مما لم يصل المذكور ولا غيره من أهل هذه الفنون إلى فهم عشر معشارها ثم هل اعتقد أن علم الهيئة مما يعتبر أو يلتفت إليه كلا بل هو هذيان بقول لا دليل عليه وليس إلى التوصل إلى تصحيحه من سبيل قد قالوا زعما منهم إن الأرض كرة لا سطح تنزل القرآن بأنها سطح قال تعالى- وإلى الأرض كيف سطحت- وقالوا لا تكسف الشمس إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين للمقابلة التي يزعمونها قابلهم الله عليها فكسفت يوم موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وكان عشر بيع الأول كما رواه الزبير بن بكار وكسفت يوم قتل الحسين رضي الله عنه كما هو مشهور في التواريخ وغيرها وكان يوم عاشوراء وقد روى ما يقتضي أنهم لم يسئلوا عن سبب زيادة الهلال ونقصانه بل عن سبب خلقه فروى أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية قالوا بلغنا أنهم قالوا يا رسول الله لم خلقت الأهلة فأنزل الله تعالى: يسئلونك عن الأهلة الآية وإنما أطنبت في هذا المقام تنفيرا للناس عن هذا الكلام الشنيع وخوف أن يتلقفه من لم يرسخ في قلبه تقوى فيتداولوه على ألسنتهم ومن لم يتأدب مع الصحابة وسلف الأمة ويترك شغب أهل الفلسفة لم يلتفت إليه كائنا من كان:
[شرح عقود الجمان: 29]
ومنه ماض عن مضارع وضع = لكونه محققا نحو فزع