والثالثُ ثلثَ باقي الباقي، والرابعُ الباقيَ. وقدْ ذَكَرْتُ في (شرحِ الترتيبِ) شيئًا من المُعَايَاةِ بها، ومُحْتَرَزَ أرْكَانِهَا، والأقوالَ فيها، وغيرَ ذلكَ، فَرَاجِعْهُ فيهِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
ولمَّا أَنْهَى المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ الكلامَ على شيءٍ من المسائلِ الفِقْهِيَّةِ شرعَ في المسائلِ الحِسَابِيَّةِ فقالَ:
بَابُ الحِسَابِ
(بابُ الحسابِ) ؛ أيْ: حسابِ الفرائضِ، وهوَ: تأصيلُ المسألةِ وتَصْحِيحُها، لا علمَ الحسابِ المعروفِ، معَ أنَّهُ لا بُدَّ منْ مَعْرِفَتِهِ لِمَنْ يُرِيدُ إِتْقَانَ علمِ الفرائضِ، كما قالَ الشيخُ بدرُ الدِّينِ سبطُ المَارْدِينِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في شرحِ هذا الكتابِ.
وإنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الحسابِ لِتَهْتَدِي بهِ إلى الصوابِ
(وإِنْ تُرِدْ معرفةَ الحِسَابِ) ؛ أيْ: حسابِ الفرائضِ المعهودِ (لِتَهْتَدِي بِهِ) ؛ أي: الحسابِ المذكورِ، (إلى الصوابِ) وهوَ خلافُ الخطأِ.
وتَعْرِفَ القِسْمَةَ والتَّفْصِيلا وتَعْلَمَ التصحيحَ والتَّأْصِيلا
(وتَعْرِفَ القسمةَ والتَّفْصِيلا) للتَّرِكَاتِ بينَ الورثةِ (وتعْلَمَ التصحيحَ والتَّأْصِيلا) للمسائلِ؛ فإنَّ قسمةَ التركاتِ تُبْنَى على ذلكَ.
وتصحيحُ المسألةِ هوَ: أقلُّ عددٍ يَتَأَتَّى منهُ نصيبُ كُلِّ واحدٍ من الورثةِ صحيحًا، وأَصْلُها هوَ: مَخْرَجُ فَرْضِهَا، أوْ فُرُوضِهَا إنْ كانَ فيها فَرْضٌ فأكثرُ. أمَّا إذا تَمَحَضَّت الورثةُ كُلُّهم عَصَبَاتٍ فعَدَدُ رُؤُوسِهِم أصلُ المسألةِ، معَ فَرْضِ كُلِّ ذكرٍ بأُنْثَيَيْنِ إنْ كانَ فيهم أُنْثَى، ومنهُ تَصِحُّ أيضًا. وهذا في غيرِ الولاءِ، أمَّا فيهِ إنْ تَسَاوَوْا فكذلكَ، وإلاَّ فعَلَى حَسَبِ الحِصَصِ.
ولمَّا كانَ التصحيحُ مَبْنِيًّا على التأصيلِ قَبْلَهُ قَدَّمَ التأصيلَ فقالَ:
فَاستخْرِجِ الأُصُولَ في المسائلِ ولا تَكُنْ عنْ حِفْظِهَا بذَاهِلِ
(فَاسْتَخْرِج الأصولَ) في المسائلِ التي فيها فَرْضٌ، (ولا تَكُنْ عنْ حِفْظِها) ؛ أيْ: أُصولِ المسائلِ، (بذَاهِلٍ) ؛ أيْ: مُتَنَاسٍ، أوْ مُتَشَاغِلٍ.
يُقَالُ: ذَهَِلْتُ الشيءَ وعنهُ، بالفتحِ والكسرِ: تَنَاسَيْتُهُ، أوْ شُغِلْتُ عنهُ.
فإنَّهُنَّ سبعةٌ أُصُولُ ثلاثةٌ مِنْهُنَّ قدْ تَعُولُ
(فإنَّهُنَّ) ؛ أيْ: أُصولَ المسائلِ المُتَّفَقِ عليها، (سبعةٌ أُصُولُ) ؛ وهُنَّ: اثنانِ، وثلاثةٌ، وأربعةٌ، وسِتَّةٌ، وثمانيَةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.
وأمَّا المُخْتَلَفُ فيهما، فَهُما: ثمانيَةَ عشرَ، وسِتَّةٌ وثلاثونَ.
ولا يكونانِ إلاَّ في بابِ الجدِّ والإِخْوَةِ، والراجحُ أَنَّهُما أَصْلانِ لا تَصْحِيحٌ، كما بَيَّنَّا وجهَ ذلكَ في (شرحِ الترتيبِ) .
ثمَّ هذهِ الأصولُ السبعةُ قِسْمَانِ: قسمٌ يَعُولُ، وقسمٌ لا يَعُولُ، وقدْ ذَكَرَ الأوَّلَ بقولِهِ: (ثلاثةٌ مِنْهُنَّ) ؛ أي: الأصولِ المذكورةِ، وهيَ: سِتَّةٌ، والاثنا عشرَ، والأربعةٌ والعشرونَ، (قدْ تَعُولُ) وقدْ لا تعولُ. والعَوْلُ: زِيَادَةٌ في السهامِ، ويَلْزَمُهُ النقصُ في الأَنْصِبَاءِ.
وفي بَعْضِ النُّسَخِ بدلَ هذا البيتِ قولُهُ:
(وَهْيَ إذا فُصِّلَ فيها القولُ ثلاثةٌ يَدْخُلُ فيها العَوْلُ)
وما وقعَ عليهِ الجُلُّ أَوْلَى؛ لتَصْرِيحِهِ بأنَّ جُمْلَةَ الأوَّلِ سبعةٌ. وذكرَ القسمَ الثانيَ بقولِهِ: