زَوْجٌ وأمٌّ وهُمَا تَمَامُهَا فَاعْلَمْ فخيرُ أُمَّةٍ عَلاَّمُهَا
(زَوْجٌ وأُمٌّ وهُما) ؛ أي: الزوجُ والأُمُّ، (تَمَامُها) معَ الجدِّ والأُخْتِ، أوْ هُمَا؛ أي: الجدُّ والأختُ تَمَامُها معَ الزوجِ والأُمِّ. فأَرْكَانُها أَرْبَعَةٌ: زوجٌ، وأُمٌّ، وجدٌّ، وأختٌ شقيقةٌ أوْ لأبٍ. (فاعْلَمْ فخيرُ أُمَّةٍ علاَّمُها) ؛ أيْ: عَالِمُها. وأتى بصيغةِ المبالغةِ لمزيدِ الاهتمامِ بالعلمِ. وفضلُ العالمِ مشهورٌ، وتَقَدَّمَ شيءٌ مِمَّا يَدُلُّ على فضلِ العلمِ والعلماءِ في (شرحِ المُقَدِّمَةِ) .
ومِمَّا وردَ في فضلِ العلماءِ قولُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ) ). رَوَاهُ الترمذيُّ وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ. والطبرانيُّ عنْ أبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ.
تُعْرَفُ يا صَاحِ بالأَكْدَرِيَّهْ وَهِيَ بأنْ تَعْرِفَهَا حَرِيَّهْ
(تُعْرَفُ) هذهِ المسألةُ (يا صَاحِ) بالترخيمِ بالكسرِ على لُغَةِ مَنْ يَنْتَظِرُ، وبالضمِّ على لُغَةِ مَنْ لا ينتظرُ؛ أيْ: يا صَاحِبُ، (بالأَكْدَرِيَّةِ) ؛ لأوجُهٍ كثيرةٍ ذَكَرْتُها في (شرحِ الترتيبِ) ، منها: كَوْنُها كَدَّرَتْ على زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ مَذْهَبَهُ، (وهِيَ) ؛ أي: الأكدَرِيَّةُ، (بأنْ تَعْرِفَهَا حَرِيَّةٌ) ؛ أيْ: حقيقةٌ بذلكَ. فللزَّوْجِ النصفُ وللأُمِّ الثلثُ، فأَصْلُها منْ سِتَّةٍ: للزوجِ ثلاثةٌ، وللأمِّ اثنانِ، ويبقى واحدٌ وهوَ قَدْرُ السدسِ فَيَأْخُذُهُ الجدُّ. فكانَ مُقْتَضَى ما سبقَ أنْ تَسْقُطَ الأختُ، وهوَ مذهبُ الحَنَفِيَّةِ. وأمَّا مَذْهَبُنا -كالمالكيَّةِ والحَنابِلَةِ تَبَعًا لزيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ- فهوَ ما ذَكَرَهُ بقولِهِ:
فَيُفْرَضُ النصفُ لها والسُّدْسُ لهُ حتَّى تَعُولَ بالفروضِ المُجْمَلَهْ
(فَيُفْرَضُ النصفُ لَهَا) ؛ أي: الأختِ، وهوَ ثلاثةٌ منْ سِتَّةٍ، (والسُّدْسُ لَهُ) ؛ أي: الجدِّ، وهوَ واحدٌ من السِّتَّةِ، (حتَّى تَعُولَ) المسألةُ (بالفروضِ المُجْمَلَةِ) ؛ أي: المُجْتَمِعَةِ إلى تسعةٍ: للزوجِ ثلاثةٌ، وللأمِّ اثنانِ، وللجدِّ واحدٌ، وللأختِ ثلاثةٌ. لكنْ لَمَّا كانت الأختُ لو اسْتَقَلَّتْ بما فُرِضَ لها لَزَادَتْ على الجدِّ رَدَّتْ بعضَ الفرضِ إلى التعصيبِ بالجدِّ، فَيَضُمُّ حِصَّتَهُ لحِصَّتِهَا، ويقتسمانِ الأربعةَ بينَهما أثلاثًا، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ فلهذا قالَ:
ثُمَّ يَعُودَانِ إلى المُقَاسَمَهْ كما مَضَى فَاحْفَظْهُ واشْكُرْ نَاظِمَهْ
(ثمَّ يَعُودَانِ) ؛ أي: الجدُّ والأختُ، (إلى المقاسمَةِ) بينَهما للذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنْثيَيْنِ (كما مَضَى) في قولِهِ:
وَهْوَ معَ الإناثِ عندَ القَسْمِ مثلُ أخٍ في سَهْمِهِ والحُكْمِ
(فاحْفَظْهُ) ؛ أيْ: ما ذَكَرْتُهُ لكَ؛ فَكُلُّ حافظٍ إمامٌ (وَاشْكُرْ نَاظِمَهُ) بالدُّعَاءِ لهُ، أوْ بِذِكْرِهِ بالجميلِ، أوْ بغيرِ ذلكَ؛ لأنَّهُ قدْ صَنَعَ لكَ معروفًا بنَظْمِهِ لكَ الأحكامَ وبَيَانِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً.
وقدْ رَوَى الترمذيُّ وغَيْرُهُ عنْ أُسَامَةَ بنِ زيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ) ). قالَ الترمذيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ. وروى البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عنْ أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيُكَافِئْهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَذْكُرْهُ، فَمَنْ ذَكَرَهُ فَقَدْ شَكَرَهُ ) ).
فائدةٌ: قدْ قُلْنَا: إنَّهُ يَضُمُّ حِصَّتَهُ لحِصَّتِهَا، ويَقْسِمَانِ ذلكَ أَثْلاثًا، فمجموعُ حِصَّتَيْهِمَا أربعةٌ، وإذا قَسَمْتَهَا على ثلاثةٍ على عددِ رُؤُوسِهِمَا كانتْ غيرَ مُنْقَسِمَةٍ ولا مُوَافِقَةٍ، فَاضْرِبْ ثلاثةً في تسعةٍ فَتُصْبِحَ منْ سبعةٍ وعشرينَ: للزوجِ ثلاثةٌ في ثلاثةٍ بتسعةٍ هيَ ثلثُ المالِ، وللأمِّ اثنانِ في ثلاثةٍ بسِتَّةٍ هيَ الباقي، وللجدِّ والأختِ أربعةٌ في ثلاثةٍ باثنيْ عشرَ، أربعةٌ هيَ ثلثُ باقي الباقي، وللجدِّ ثمانيَةٌ هيَ الباقي؛ فلهذا يُلْغَزُ بها ويُقَالُ: خَلَّفَ أربعةً من الورثةِ، فَوَرِثَ أحَدُهم ثلثَ المالِ، والثاني ثلثَ الباقي،