الصفحة 22 من 44

(( اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ ) )أيْ: الخلائِقَ، (( لَو اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ) )وذلكَ حاصِلٌ لَكَ، اجْتَمَعُوا عَلى نَفْعِكَ بِهِ أَمْ لَا، ولَا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفَعُوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ، فَاقْطَعْ طَمَعَكَ مِنْهُمُ، فَإِنَّهُم لَا يَقْدِرُونَ على شيءٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، والرجوعِ إليهِ.

(( وَإِن اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ) ): وذلِكَ واصلٌ إليكَ، اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ أَمْ لَا، ولا يَقْدِرُونَ عَلى أَنْ يَضُرُّوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ.

فَاقْطَعْ خَوْفَكَ مِنْهُم، إذْ لَا يَقْدِرُونَ عَلى شيءٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَارْجِعْ إليهِ - وَإِنِ اجْتَمَعُوا - وَخَفْ مِنْهُ.

(( رُفِعَتُ الْأَقْلَامُ ) )التي يُكْتَبُ بِهَا المَقَادِيرُ، (( وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) )التي كُتِبَ فيهَا، هذِهِ كِنَايَةٌ أنَّ الأمرَ قَدْ قُدِّرَ وَكُتِبَ وفُرِغَ مِنهُ، فَلَا يُزَادُ فيهِ، ولا يُنْقَصُ مِنْهُ.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللَّهِ: تَفَكَّرْتُ في الخَلْقِ فَوَجَدْتُهُمْ نَوْعَيْنِ: أَعْدَاءٌ وَأَحِبَّاءُ، فَتَفَكَّرْتُ في الأعداءِ، فَتَيَقَّنْتُ أَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَ بغيرِ المَقْدُورِ؛ فَأَيِسْتُ مِنْهُم، وَتَفَكَّرْتُ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَتَيَقَّنْتُ أَنَّهُ لا يَكُونُ إِلَّا مَا قَدَّرَ، فَتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ، وَفَوَّضْتُ الأَمْرَ إِليْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ.

(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ غَيرِ التِّرْمِذِيِّ) : (( احْفَظِ اللَّهَ ) )بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ زَوَاجِرِهِ، وَدَوَامِ ذِكْرِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، (( تَجِدْهُ أَمَامَكَ ) )مُيَسِّرًا لَكَ الخيرَ، دَافِعًا عَنْكَ الضَّيْرَ.

(( تَعَرَّفْ ) )تَحَبَّبْ بالطَّاعةِ والشُّكْرِ إلى اللَّهِ (( في الرَّخَاءِ ) )في أَوَانِ الصِّحَّةِ وَالغِنَى والخِصْبِ ونَحوِ ذلِكَ، (( يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ) )بِتَفْرِيجِهَا عَنْكَ، وَجَعْلِهِ لَكَ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ومِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، بِوَاسِطَةِ ما سَلَفَ مِنْكَ مِنَ التَّعَرُّفِ في زمانِ الرَّخَاءِ، وَبِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَلْتَجِئُ إلى مَوْلَاهُ في الشِّدَّةِ، وَيُعْرِضُ عَنْهُ في الرَّخاءِ.

(( وَاعْلَمْ ) )عِلْمَ اليَقِينِ (( أنَّ مَا ) )الذي (( أَخْطَأَكَ ) )من المَحْبُوبَاتِ والمَكْرُوهَاتِ (( لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ) )؛ لأنَّ العَلِيمَ لمْ يُقَدِّرْهُ في حَقِّكَ، (( وَمَا أَصَابَكَ ) )من المَكْرُوهَاتِ والمَحْبُوبَاتِ (( لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ) )؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ إِصَابَتَهُ إِيَّاكَ، ولَا رَادَّ لِمَا أَرَادَ.

(( وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ ) )على النفسِ الأَمَّارَةِ والشَّيْطَانِ وسائِرِ الأَعداءِ كائِنٌ (( مَعَ الصَّبْرِ ) )عَلى المُجَاهَدَةِ - مَعَ مَا تَقَدَّمَ - حَقَّ المُجَاهَدَةِ.

(( وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ) )، فلا تَيْأَسْ مِنْ فَرَجِهِ مَعَ كَمَالِ الشِّدَّةِ.

(( وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ) )، فَارْجُ يُسْرَهُ بعدَ العُسْرِ؛ فإنَّهُ لا دَوَامَ للعُسْرِ، وفي هذَا إشارةٌ إلى تَهْوِينِ الأمْرِ الصَّعْبِ وإنْ عَظُمَ، فإنَّهُ لا دَوَامَ لَهُ.

الحديثُ العشرُونَ

عَنْ أَبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ البَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1) .

الحديثُ الحادِي والعشرونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت