فصاعدًا، فما وُضِعَ على أقلَّ منها فقد شابَهَ الحرفَ في وضْعِهِ واستحَقَّ البناءَ؛ وأُعْرِبَ نحوَ"يدٌ"و"دمٌ"لأنَّهُ ما ثُلاثِيَّانِ وضْعًا.
تنبيهٌ: قالَ الشاطبيُّ:"نا"في قولِه:"جِئْتَنَا"موضوعةٌ على حرفينِ ثانيهما حرفُ لينٍ وضْعًا أَوَّلِيًّا كـ"مَا"و"لا"؛ فَإِنَّ شيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ على هذا الوضعِ غيرُ موجودٍ، نصَّ عليه سيبويهِ والنحويون، بخلافِ ما هو على حرفينِ وليس ثانيهما حرفُ لينٍ فليس ذلك مِنْ وضعِ الحرفِ المختصِّ به، ثم قال: وبهذا بعينِه اعترَضَ ابنُ جِنِّي على مَنِ اعْتَلَّ لبناءِ"كم"، و"مِنْ"بِأَنَّهُما موضوعانِ على حرفينِ فأشَبَهَا"هل"و"بل"، ثم قال: فعلى الجملةِ وضعُ الحرفِ المختصِّ به إنما هو إذا كانَ ثاني الحرفين حرفُ لينٍ على حدِّ مَا مثَّل بهِ الناظمُ، فما أشارَ إليه هو التحقيقُ، ومن أطلقَ الوضعَ على حرفينِ وأثبَتَ به شِبْهَ الحرفِ فليس إطلاقُه بسديدٍ، انتهى.
(و) كالشَبَهِ (المعنويِّ) وهو: أنْ يكونَ الاسمُ قد تضمَّنَ معنًى مِنْ معانِي الحروفِ، لا بمعنى أنَّهُ حلَّ محلًا هو للحرفِ؛ كتضمُّنِ الظروفِ معنى في، والتمييزِ معنى"مِنْ"، بل بمعنى أنَّهُ خلَفَ حرفًا في معناه، أي: أدى به معنًى حقُّهُ أن يؤدَّى بالحرفِ لا بالاسمِ، سواءٌ تضمَّنَ معنَى حرفٍ موجودٍ كما في (متى) فإنَّها تُستعمَلُ للاستفهامِ، نحو: متى تقومُ؟ وللشرطِ، نحوُ:"متى تَقُمْ أَقُمْ"، فهي مبنيَّةٌ لتضمُّنِهَا معنَى الهمزةِ في الأَوَّلِ ومعنى إِنْ في الثاني، وكِلاَهُمَا موجودٌ. أو غيرُ موجودٍ وذلك كما في (هنا) أي: أسماءِ الإشارةِ، فإنَّها مبنيةٌ لأنَّهَا تضمَّنَتْ معنى حرفٍ كان من حقِّهِمْ أن يضعُوه فما فعلُوا، لأن الإشارةَ معنًى حقُّه أن يؤدَّى بالحرفِ كالخطابِ والتنبيهِ. (وكنِيَابَةٍ عَنِ الفعلِ) في العملِ (بِلاَ تَأَثُّرٍ) بالعواملِ، ويُسَمَّى الشَّبَهَ الاستعماليَّ، وذلك موجودٌ في أسماءِ الأفعالِ، فإنَّها تعمَلُ نيابةً عن الأفعالِ، ولا يعمَلُ غيرُها فيها، بناءً على الصحيحِ مِنْ أسماءِ الأفعالِ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ كما سيأتي، فأَشْبَهَتْ"ليت"و"لعلَّ"، مثلا، ألا ترى أنَّهُما نَائِبَتَانِ عن"أتمنَّى"و"أترجَّى"ولا يدخُلُ عليهما عاملٌ؟ والاحترازُ بانتفاءِ التأثُّرِ عمَّا نابَ عن الفعلِ في العملِ، ولكنَّهُ يتأَثَّرُ بالعواملِ: كالمصدرِ النائبِ عن فعلِهِ فَإِنَّهُ معرَبٌ لعدمِ كمالِ مشابهتِه للحرفِ (وكافْتِقَارٍ أُصِلاَ) ويُسَمَّى الشبَهَ الافتقاريَّ، وهو: أن يفتقِرَ الاسمُ إلى الجملةِ افتقارًا مُؤَصَّلًا- أي: لازِمًا- كالحَرْفِ، كما في"إِذْ"و"إِذَا"وحيثُ والموصولاتُ الاسميَّةُ. أما ما افْتَقَرَ إلى مفردٍ كـ"سُبْحَانَ"، أو إلى جملةِ +لكِنَّ افتقارًا غيرَ مؤصَّلٍ- أي: غيرَ لازمِ- كافتقارِ المضافِ في نحوِ {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} إلى الجملةِ بعدَه؛ فلا يُبْنَى؛ لأنَّ افتقارَ"يومُ"إلى