ومِن الفتحِ معَ الألفِ قولُ الشاعِرِ:
11 -أَعْرِفُ مِنْهَا الْجِيدَ وَالْعَيْنَانَا ... ومَنْخِرَيْنِ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا [1]
(1) البيتُ لرجلٍ مِن ضَبَّةَ كما قالَ المُفَضَّلُ، وزعَمَ العَيْنِيُّ أنه لا يُعْرَفُ قائلُه، وقيلَ: هو لِرُؤْبَةَ، والصحيحُ الأوَّلُ، وهو مِن رَجَزٍ أَوَّلُه:
إِنَّ لِسَلْمَى عِنْدَنَا دِيوَانَا ... يُخْزِي فُلانًا وابْنَهُ فُلانَا
كانَتْ عَجُوزًا عُمِّرَتْ زَمَانَا ... وَهْيَ تَرَى سَيِّئَهَا إِحْسَانَا
اللغةُ: (الجِيدَ) العُنُقَ، (مَنْخِرَيْنِ) مثنَّى مَنْخِرٍ، بزِنَةِ مَسْجِدٍ، وأصلُه مكانٌ النَّخيرِ، وهو الصوتُ المنبعِثُ من الأنفِ، ويُسْتَعْمَلُ في الأنفِ نفسِه؛ لأنَّه مكانُه، واستعمالُه في الصوتِ مِن بابِ تَسْمِيَةِ الحالِّ في شيءٍ باسمِ مَحَلِّهِ، كإطلاقِ لفظِ القريةِ وإرادةِ سُكَّانِها، (ظَبْيَانَ) اسمُ رجلٍ، وقيلَ: مثنى ظَبْيٍ، وليسَ بشيءٍ، قالَ أبو زيدٍ: (ظَبْيَانُ: اسمُ رجلٍ، أرادَ: أَشْبَهَا مَنْخِرَي ظَبْيَانَ) فحَذَفَ، كما قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} يُريدُ أهلَ القريةِ. اهـ.
وتأويلُ أبي زَيْدٍ في القريةِ على أنه مجازٌ بالحذفِ، وهو غيرُ التأويلِ الذي ذَكَرْنَاهُ آنفًا.
الإعرابُ: (أَعْرِفُ) فعلٌ مضارعٌ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجوبًا تقديرُه أنا، (مِنْهَا) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَعْرِفُ، (الْجِيدَ) مفعولٌ به لأَعْرِفُ، (وَالْعَيْنَانَا) معطوفٌ على الجِيدِ منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرَةٍ على الألفِ مَنَعَ مِن ظُهُورِها التعذُّرُ، (ومَنْخِرَيْنِ) معطوفٌ على الجِيدِ أيضًًا، ومنصوبٌ بالياءِ نِيابةً عن الفتحةِ؛ لأنَّه مثنًّى، (أَشْبَهَا) أَشْبَهَ: فعلٌ ماضٍ، وألفُ الاثنيْنِ فاعلٌ، (ظَبْيَانَا) مفعولٌ به منصوبٌ بالفتحةِ الظاهرةِ على أنه مفردٌ كما هو الصحيحُ، فأمَّا على أنه مثنًّى فهو منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرةٍ على الألفِ؛ كما في قَوْلِهِ: (وَالْعَيْنَانَا) السابقِ، وذلك على لغةِ مَن يُلْزِمُ المثنَّى الألفَ، والجملةُ من الفعلِ وفاعلِه في مَحَلِّ نصبِ صفةٍ لمَنْخِرَيْنِ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (وَالْعَيْنَانَا) حيثُ فتَحَ نونَ المثنَّى، وقالَ جماعةٌ منهم الهَرَوِيُّ: الشاهدُ فيه في موضعيْنِ: أحدِهما ما ذَكَرْنَا، وثانيهما قولُه: (ظَبْيَاناَ) ، ويَتَأَتَّى ذلك على أنه تَثْنِيَةُ ظَبْيٍ. وهو فاسدٌ من جهةِ المعنى، والصوابُ أنه مفردٌ، وهو اسمُ رجلٍ كما قَدَّمْنَا لكَ عن أبي زيدٍ، وعليه لا شاهدَ فيه، وزعَمَ بعضُهم أن نونَ (مَنْخِرَيْنَ) مفتوحةٌ، وأن فيها شاهدًا أيضًًا، فهو نظيرُ قولِ حُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ: (عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ) الذي تَقَدَّمَ (ش رقم 10) .