وليسَ كَسْرُها لغةً، خِلافًا لمَن زعَمَ ذلك.
وحقُّ نونِ المُثَنَّى والمُلْحَقِ به الكسرُ، وفَتْحُهَا لغةٌ، ومِنه قولُه:
10 -على أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وتَغِيبُ [1]
وظاهِرُ كلامِ المصنِّفِ رَحِمَه اللهُ تعالى: أن فتحَ النونِ في التثنيَةِ ككسرِ نونِ الجمعِ في القِلَّةِ، وليسَ كذلك، بل كسرُها في الجمعِ شاذٌّ، وفَتْحُها في التثنيَةِ لغةٌ، كما قَدَّمْنَاهُ.
وهل يَخْتَصُّ الفتحُ بالياءِ أو يكونُ فيها وفي الألفِ؟ قولانِ، وظاهرُ كلامِ المصنِّفِ الثاني [2] .
(1) البيتُ لحُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ الهِلالِيِّ الصحابِيِّ، أحدِ الشعراءِ المُجِيدِينَ، وكانَ لا يُقَارِبُه شاعرٌ في وصفِ القَطَاةِ، وهو من أبياتِ قصيدةٍ له يَصِفُ فيها القَطَاةَ، وأوَّلُ الأبياتِ التي يَصِفُ فيها القَطَاةَ قولُه:
كمَا انْقَبَضَتْ كَدْرَاءُ تَسْقِي فِرَاخَهَا ... بِشَمْظَةَ رِفْهًا وَالمِيَاهُ شُعُوبُ
غَدَتْ لَمْ تُصَعِّدْ فِي السماءِ وتَحْتَهَا ... إذَا نَظَرَتْ أَهْوِيَّةٌ ولُهُوبُ
فجَاءَتْ وما جاءَ القَطَا، ثُمَّ قَلَّصَتْ ... بمَفْحَصِها والوارداتُ تَنُوبُ
اللغةُ: (الأَحْوَذِيَّانِ) مثنَّى أَحْوَذِيٍّ، وهو الخفيفُ السريعُ، وأرادَ به هنا جَناحَ القَطَاةِ، يَصِفُها بالسرعةِ والخِفَّةِ، و (اسْتَقَلَّت) ارْتَفَعَتْ وطارَتْ في الهواءِ، و (العَشِيَّةُ) ما بينَ الزوالِ إلى المغربِ، و (هي) ضميرُ غائبةٍ يعودُ إلى القَطَاةِ على تقديرِ مضافيْنِ، وأصلُ الكلامِ: فما زمانُ رُؤْيَتِها إلاَّ لَمْحَةٌ وتَغِيبُ.
المعنى: يُريدُ أنَّ هذه القَطَاةَ قد طَارَتْ بجَنَاحَيْنِ سريعيْنِ، فليسَ يَقَعُ نَظَرُكَ عليها حينَ تَهُمُّ بالطيرانِ إلاَّ لحظةً يَسيرةً ثُمَّ تَغِيبُ عن نَاظِرَيْكَ فلا تعودُ تراها، يَقْصِدُ أنها شديدةُ السرعةِ.
الإعراب: (عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَقَلَّتْ، (اسْتَقَلَّتْ) اسْتَقَلَّ: فعلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، والفاعلُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هي يعودُ على القَطَاةِ التي تَقَدَّمَ وَصْفُها، (عَشِيَّةً) ظرفُ زمانٍ منصوبٌ على الظرفيَّةِ مُتَعَلِّقٌ باسْتَقَلَّتْ، (فَمَا) الفاء عاطفةٌ، ما: نافيةٌ، (هي) مبتدأٌ بتقديرِ مضافيْنِ، والأصلُ: فما زمانُ مشاهَدَتِها إلاَّ لَمْحَةٌ وتَغِيبُ بعدَها، (إلاَّ) أداةُ استثناءٍ مُلغاةٌ لا عملَ لها، (لَمْحَةٌ) خبرُ المبتدأِ، (وتَغِيبُ) الواوُ عاطفةٌ، وتَغِيبُ فعلٌ مضارِعٌ فاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوَازًا تقديرُه هي يعودُ على القَطَاةِ، والجملةُ من الفعلِ والفاعلِ معطوفةٌ على جملةِ المبتدأِ والخبرِ.
الشاهدُ فيه: فتحُ نونِ المُثَنَّى من قولِه: (أَحْوَذِيَّيْنَ) وهي لغةٌ، ولَيْسَتْ بضرورةٍ؛ لأنَّ كسرَها يأتي معَه الوزنُ ولا يَفُوتُ به غَرَضٌ.
(2) اعْلَمْ أنهم اتَّفَقُوا على زيادةِ نونٍ بعدَ ألفِ المثنَّى ويائِه، وبعدَ واوِ الجمعِ ويائِه، واخْتَلَفَ النُّحاةُ في تعليلِ هذه الزيادةِ على سَبْعَةِ أوجهٍ:
الأوَّلُ، وعليه ابنُ مالكٍ: أنها زِيدَتْ دَفْعًا لتوهُّمِ الإضافةِ في (رأَيتُ بنينَ كُرَمَاءَ) ؛ إذ لو قلتُ: (رأيتُ بَنِي كُرَمَاءَ) لم يَدْرِ السامعُ الكرامَ هم البنونَ أم الآباءُ؟ فلما جاءَتِ النونُ عَلِمْنَا أنكَ إنْ قلتَ: (بني كُرَمَاءَ) فقد أَرَدْتَ وصفَ الآباءِ بالكرمِ، وأنَّ بني مضافٌ وكرماءَ مضافٌ إليه، وإنْ قلتَ: (بنينَ كرماءَ) فقد أَرَدْتَ وصفَ الأبناءِ أنفسِهم بالكَرَمِ، وأنَّ كرماءَ نعتٌ لبنينَ؛ وبُعدًا عن تَوَهُّمِ الإفرادِ في (هذيْنِ) ، ونحوِ: (الخَوْزَلاَنِ) و (المُهْتَدِينَ) ؛ إذ لولا النونُ لالْتَبَسَتِ الصفةُ بالمضافِ إليه على ما عَلِمْتَ أوَّلًا ولالْتَبَسَ المفردُ بالمثنَّى أو بالجمعِ.
الثاني: أنها زِيدَتْ عِوَضًا عن الحركةِ في الاسمِ المفردِ، وعليه الزَّجَّاجُ.
والثالثُ: أنَّ زيادَتَها عِوَضٌ عن التنوينِ في الاسمِ المفردِ، وعليه ابنُ كَيْسَانَ، وهو الذي يَجْرِي على أَلْسِنَةِ المُعْرِبِينَ.
والرابعُ: أنها عِوَضٌ عن الحركةِ والتنوينِ معًا، وعليه ابنُ وَلاَّدٍ والجَزُولِيُّ.
والخامسُ: أنها عِوَضٌ عن الحركةِ والتنوينِ فيما كانَ التنوينُ والحركةُ في مفردِه؛ كمُحَمَّدٍ وعلِيٍّ، وعن الحركةِ فقطْ فيما لا تَنْوِينَ في مفردِه كزَيْنَبَ وفاطمةَ، وعن التنوينِ فقطْ فيما لا حَرَكَةَ في مفردِه كالقاضي والفتَى، وليسَتْ عِوَضًا عن شيءٍ مِنهما فيما لا حركةَ ولا تنوينَ في مفردِه؛ كالحُبْلَى، وعليه ابنُ جِنِّيٍّ.
والسادسُ: أنها زِيدَتْ؛ فرقًا بينَ نصبِ المفردِ ورفعِ المثنَّى؛ إذ لو حَذَفْتَ النونَ مِن قولِكَ: (عَلِيَّانِ) لأَشْكَلَ عليكَ أمرُه، فلم تَدْرِ أهو مفردٌ منصوبٌ أم مثنًّى مرفوعٌ، وعلى هذا الفَرَّاءُ.
والسابعُ: أنها نَفْسُ التنوينِ حُرِّكَ للتخلُّصِ مِن الْتِقاءِ الساكنيْنِ.
ثم المشهورُ الكثيرُ أنَّ هذه النونَ مكسورةٌ في المثنَّى مفتوحةٌ في الجمعِ، فأمَّا مجرَّدُ حركتِها فيهما فلأجلِ التخلُّصِ من التقاءِ الساكنيْنِ، وأما المخالفةُ بينَهما فلِتَمَيُّزِ كلِّ واحدٍ مِن الآخرِ، وأمَّا فتحُها في الجمعِ فلأنَّ الجمعَ ثقيلٌ؛ لدلالتِه على العددِ الكثيرِ، والمثنَّى خفيفٌ، فقُصِدَتِ المعادلةُ بينَهما؛ لئلا يَجْتَمِعَ ثقيلانِ في كَلِمَةٍ، ووَرَدَ العكسُ في الموضعيْنِ وهو فتحُها معَ المثنَّى وكسرُها معَ الجمعِ ضرورةً لا لغةً، ثمَّ قِيلَ: ذلك خاصٌّ بحالةِ الياءِ فيهما. وقيلَ: لا، بل معَ الألفِ والواوِ أيضًًا.
وذَكَرَ الشَّيْبَانِيُّ وابنُ جِنِّيٍّ أنَّ مِن العربِ مَن يَضُمُّ النونَ في المثنَّى، وعلى هذا يُنْشِدُون قولَ الشاعرِ:
يَا أَبَتَا أَرَّقَنِي القِذَّانُ ... فالنوْمُ لا تَطْعَمُهُ العَيْنَانُ
وهذا إنما يَجِيءُ معَ الألفِ، لا معَ الياءِ، والقِذَّانُ: البراغيثُ، واحدُها قُذَذٌ بوزنِ صُرَدٍ. وسُمِعَ تشديدُ نونِ المثنَّى في تثنيةِ اسمِ الإشارةِ والموصولِ فقطْ، وقد قُرِئَ بالتشديدِ في قَوْلِهِ تعالى: (فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ) ، وقولِه: (وَاللَّذَانِّ يَأْتِيَانِهَا) ، وقولِه: (إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِّ) ، وقولِهِ سُبْحَانَهُ: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَينِّ) .