الصفحة 23 من 391

وقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا المَعْنَى جَمَاعَةٌ مِن الْأَئِمَّةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ في رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الجَبَلِ: قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: إِنَّ الإِيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، والإِسْلَامَ فِعْلُ مَا فُرِضَ عَلَى الإِنْسَانِ أنْ يَفْعَلَهُ، إِذَا ذُكِرَ كُلُّ اسمٍ عَلَى حِدَتِهِ مَضْمُومًا إلى الآخَرِ، فقِيلَ: المُؤْمِنُونَ والمُسْلِمونَ، جَمِيعًا مُفْرَدَيْنِ، أُرِيدَ بأَحَدِهِمَا مَعْنًى لَمْ يُرَدْ بالْآخَرِ، وإِذَا ذُكِرَ أَحَدُ الاسْمَيْنِ شَمِلَ الكُلَّ وعَمَّهُم.

وقَدْ ذَكَرَ هَذَا المَعْنَى أيضًا الخَطَّابِيُّ في كِتَابِهِ (مَعَالِمِ السُّنَنِ) ، وتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِن العُلَمَاءِ مِنْ بَعْدِهِ.

ويَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَّرَ الإِيمَانَ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُفْرَدًا في حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الإِسلامَ المَقْرُونَ بالإِيمانِ في حديثِ جِبْرِيلَ، وفَسَّرَ في حَدِيثٍ آخَرَ الإِسْلَامَ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الإِيمانَ، كما في (مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) : عَن عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: (( أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ، وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ ) )، قَالَ: فَأَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( الْإِيمَانُ ) )، قَالَ: وَمَا الإِيمانُ؟ قَالَ: (( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ) )، قَالَ: فَأَيُّ الإِيمانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( الْهِجْرَةُ ) )، قَالَ: فَما الهِجْرَةُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ ) )، قَالَ: فَأَيُّ الهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قالَ: (( الْجِهَادُ ) ). فجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإِيمانَ أَفْضَلَ الإِسْلَامِ، وأَدْخَلَ فيهِ الْأَعْمَالَ.

وبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَظْهَرُ تَحْقِيقُ القَوْلِ في مَسْأَلَةِ الْإِسْلَامِ والْإِيمَانِ: هلْ هُمَا واحِدٌ، أوْ هُمَا مُخْتَلِفَانِ؟

فإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ والحَدِيثِ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ، وصَنَّفُوا في ذَلِكَ تَصَانِيفَ مُتَعَدِّدَةً، فمِنْهُم مَنْ يَدَّعِي أنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ: مِنْهُم مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ. وقَدْ رُوِيَ هَذَا القَوْلُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بنِ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيِّ عنهُ، وأيُّوبُ فيهِ ضَعْفٌ.

ومنهم مَنْ يَحْكِي عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّفْرِيقَ بينَهُما، كأَبِي بَكْرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ وغَيْرِهِ. وقَدْ نُقِلَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما عَنْ كَثِيرٍ مِن السَّلَفِ، منهم قَتَادَةُ، ودَاودُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، وأَبُو جَعْفَرٍ البَاقِرُ، والزُّهْرِيُّ، وحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، وابْنُ مَهْدِيٍّ، وشَرِيكٌ، وابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وأبو خَيْثَمَةَ، ويَحْيَى بنُ مَعِينٍ، وغَيْرُهم، على اختلَافٍ بينَهم في صِفَةِ التَّفْرِيقِ بينَهُما. وكَانَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ: (مُسْلِمٌ) ، ويَهَابَانِ: (مُؤْمِنٌ) .

وبِهَذَا التَّفْصِيلِ الَّذي ذَكَرْنَاهُ يَزُولُ الاخْتِلَافُ، فيُقَالُ: إِذَا أُفْرِدَ كُلٌّ مِن الإِسْلَامِ والْإِيمَانِ بالذِّكْرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُما حِينَئذٍ، وإِنْ قُرِنَ بَيْنَ الاسْمَيْنِ كَانَ بينَهما فَرْقٌ.

والتَّحْقِيقُ في الفَرْقِ بينَهُما: أَنَّ الإِيمانَ هوَ تَصْدِيقُ القَلْبِ وإِقْرَارُهُ ومَعْرِفَتُهُ، والإِسلامَ: هوَ اسْتِسْلَامُ العَبْدِ لِلَّهِ وخُضُوعُهُ وانْقِيَادُهُ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ بالعَمَلِ، وهوَ الدِّينُ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الإِسْلَامَ دِينًا، وفى حَدِيثِ جِبْرِيلَ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإِسْلَامَ والإِيمَانَ والإِحْسَانَ دِينًا. وهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ علَى أنَّ أَحَدَ الاسْمَيْنِ إِذَا أُفْرِدَ دَخَلَ فيهِ الآخَرُ، وإنَّما يُفَرَّقُ بَيْنَهُما حَيْثُ قُرِنَ أَحَدُ الاسْمَيْنِ بالآخَرِ، فيَكُونُ حينَئذٍ المُرَادُ بالإِيمانِ جِنْسَ تَصْدِيقِ القَلْبِ، وبالإِسْلَامِ جِنْسَ العَمَلِ.

وفِي (مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) : عَنْ أنسٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ ) ). وهَذَا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تَظْهَرُ عَلَانِيَةً، والتَّصْدِيقَ في القَلْبِ لَا يَظْهَرُ. وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ في دُعَائِهِ إِذَا صَلَّى عَلَى المَيِّتِ: (( اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ ) )؛ لِأَنَّ العَمَلَ بالجَوَارِحِ إِنَّمَا يُتَمَكَّنُ منهُ في الحَيَاةِ، فأَمَّا عندَ الموتِ فَلَا يَبْقَى غَيْرُ التَّصْدِيقِ بالقَلْبِ.

ومِنْ هُنا قَالَ المُحَقِّقونَ مِن العُلَماءِ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ؛ فإِنَّ مَنْ حَقَّقَ الإِيمَانَ، ورَسَخَ في قَلْبِهِ، قَامَ بأَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت