الصفحة 22 من 391

وقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: نَاظِرُوا القَدَرِيَّةَ بالعِلْمِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بهِ خُصِمُوا، وإنْ جَحَدُوهُ فَقَدْ كَفَرُوا. يُرِيدُونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ القَدِيمَ السَّابِقَ بأَفْعَالِ العِبَادِ، وأَنَّ اللَّهَ قَسَّمَهُم قَبْلَ خَلْقِهِمْ إِلَى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في كِتَابٍ حَفِيظٍ، فَقَدْ كَذَّبَ بالقُرْآنِ، فيَكْفُرُ بذلكَ، وإنْ أَقَرُّوا بذَلِكَ وأَنْكَرُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَفْعَالَ عِبَادِهِ وشَاءَها، وأَرَادَها مِنْهُم إِرَادَةً كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً، فَقَدْ خُصِمُوا؛ لِأَنَّ مَا أَقَرُّوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِم فيما أَنْكَرُوهُ. وفي تَكْفِيرِ هؤلاءِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ.

وأمَّا مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ القَدِيمَ، فنَصَّ الشَّافِعِيُّ وأَحْمَدُ عَلَى تَكْفِيرِهِ، وكَذَلِكَ غَيْرُهما مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ.

فإنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذَا الحَدِيثِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ والإِيمانِ، وجَعَلَ الْأَعْمَالَ كُلَّها مِن الْإِسْلَامِ، لَا مِن الإِيمانِ. والمَشْهُورُ عَن السَّلَفِ وأَهْلِ الحَدِيثِ أنَّ الْإِيمَانَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ ونِيَّةٌ، وأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّها دَاخِلَةٌ في مُسَمَّى الإِيمانِ. وحَكَى الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ أَدْرَكَهُم.

وأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَن الإِيمانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا. ومِمَّن أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ، وجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا: سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ، وقَتَادَةُ، وأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعَيُّ، والزُّهْرِيُّ، ويَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ، وغَيْرُهم. وقَالَ الثَّوْرِيُّ: هوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ، أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِمَّنْ سَلَفَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ والعَمَلِ.

وكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ للْإِيمَانِ فَرَائِضَ وشَرَائِعَ وحُدُودًا وسُنَنًا، فمَن اسْتَكْمَلَها اسْتَكْمَلَ الإِيمانَ، ومَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِل الإِيمانَ. ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ في (صَحِيحِهِ) .

قِيلَ: الْأَمْرُ عَلَى ما ذَكَرَهُ، وقَدْ دَلَّ عَلَى دُخُولِ الأَعْمَالِ في الإِيمانِ قَوْلُهُ تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4] .

وفي (الصَّحيحَيْنِ) : عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ: (( آمُرُكُمْ بَأَرْبَعٍ: الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ ) ).

وفي (الصَّحيحَيْنِ) : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) )، ولفْظُهُ لِمُسْلِمٍ.

وفي (الصَّحيحَيْنِ) : عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) ). فَلَوْلَا أَنَّ تَرْكَ هَذِهِ الكَبائِرِ مِنْ مُسَمَّى الإِيمانِ لَمَا انْتَفَى اسْمُ الإِيمانِ عنْ مُرْتَكِبِ شيءٍ منهَا؛ لِأَنَّ الاسْمَ لَا يَنْتَفِي إلَّا بانْتِفَاءِ بَعْضِ أَرْكَانِ المُسَمَّى أوْ واجِبَاتِهِ.

وأَمَّا وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هذهِ النُّصوصِ وبَيْنَ حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَن الإِسْلَامِ والإِيمانِ، وتَفْرِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وإِدْخَالِهِ الأَعْمَالَ في مُسمَّى الإِسلامِ دُونَ مُسمَّى الإِيمانِ؛ فإنَّهُ يَتَّضِحُ بتَقْرِيرِ أَصْلٍ، وهوَ أَنَّ مِن الأَسْمَاءِ ما يَكُونُ شَامِلًا لمُسَمَّياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عندَ إِفْرَادِهِ وإِطْلَاقِهِ، فَإِذَا قُرِنَ ذَلِكَ الاسْمُ بغَيْرِهِ صَارَ دَالًّا عَلَى بَعْضِ تِلْكَ المُسَمَّياتِ، والاسمُ المَقْرُونُ بِهِ دَالٌّ عَلَى باقِيهَا، وهَذَا كاسْمِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ، فإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُما دَخَلَ فيهِ كُلُّ مَنْ هوَ مُحْتَاجٌ، فإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُما بالآخَرِ دَلَّ أَحَدُ الاسْمَيْنِ عَلَى بَعْضِ أَنْواعِ ذَوِي الحَاجَاتِ، والآخَرُ عَلَى بَاقِيهَا. فهكَذَا اسْمُ الإِسْلَامِ والإِيمَانِ: إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُما دَخَلَ فيهِ الْآخَرُ، ودَلَّ بانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الآخَرُ بانْفِرَادِهِ، فإِذَا قُرِنَ بينَهُما دلَّ أَحَدُهُما عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بانْفِرَادِهِ، ودَلَّ الْآخَرُ عَلَى البَاقِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت