الجلد القوي ذي المرة السوي. قال سبحانه: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} [العنكبوت: 60] وقال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] .
[28] وكان من دعاء داود، صلوات الله عليه: «يا رازق النعاب في عشه» يريد: فرخ الغراب، وذلك أنه يقال: إنه إذا تفقأت عنه البيضة خرج أبيض كالشحمة، فإذا رآه الغراب أنكره لبياضه؛ فتركه. فيسوق الله جل وعز إليه البق؛ فتقع عليه لزهومة ريحه فيلقطها ويعيش بها إلى أن يحمم ريشه فيسود، فيعاوده الغراب عند ذلك، ويألفه ويلقطه الحب. فهذا معنى: رزقه النعاب في عشه.
وقد يكون وصول الرزق بسبب وبغير سبب، ويكون ذلك بطلب وبغير طلب، وقد يرث الإنسان مالًا؛ فيدخل في ملكه من غير قصد إلى تملكه، وهو من جملة الرزق. وكل ما وصل [منه إليه] من مباح وغير مباح فهو رزق الله على معنى أنه قد جعله له قوتًا ومعاشًا. كقوله سبحانه: {رزقا للعباد} [ق: 11] إثر قوله سبحانه: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] . وكقوله: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22] إلا أن
الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما، وما كان منه غير مأذون له فيه فهو حرام حكما. وجميع ذلك رزق على المعنى الذي بيناه.
19 -الفتاح: هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين، إذا فصل بينهما. ومنه قول الله سبحانه: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] . معناه ربنا أحكم بيننا. ويقال للحاكم: الفاتح. وقال امرؤ القيس:
أبعد الفاتح الوهاب عمرو ... حليف الجود والحسب اللباب؟
و [قد] يكون معنى الفتاح أيضًا الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده ويفتح المنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم. ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم ليبصروا الحق، ويكون الفاتح أيضًا بمعنى الناصر، كقوله سبحانه: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] . قال أهل التفسير [إن] معناه: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
20 -العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} [لقمان: 23] . وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال سبحانه: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] . والآدميون - وإن كانوا يوصفون بالعلم - فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالمًا بالفقه غير عالم بالنحو وعالمًا بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله سبحانه علم حقيقة، وكمال {قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] ، {وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 28] .