الصفحة 4 من 80

وذَوِيهِ، ثمَّ حدَثتْ بعْدَ ذلكَ بِدعةُ الْحُلولِ وظهَرَ أمْرُهَا في زمَنِ الحُسيْنِ الحلاَّجِ، وكلَّما أظْهرَ الشَّيطانُ بِدْعةً منْ هذِهِ البِدَعِ وغيرِها أقامَ اللهُ لَها من حزبِهِ وجُندِهِ مَنْ يَردُّهَا ويُحذِّرُ المسلمينَ منهَا نصيحةً للهِ، ولكتابِهِ، ولرسولِهِ ولأهلِ الإِسلامِ ا هـ [1] .

وقالَ ابنُ حجَرٍ - رحِمهُ اللهُ - في شرحِ البخاريِّ: فممَّا حدَثَ تَدوينُ الحديثِ، ثمَّ تفسيرُ القرآنِ، ثمَّ تدوينُ المسائلِ الفقهيَّةِ المولَّدةِ منْ الرَّأيِ المحْضِ، ثمَّ تدوينُ ما يَتعلَّقُ بأعمالِ القلوبِ.

فأمَّا الأوَّلُ فأَنْكَرهُ عمرُ وأبو موسى وطائفةٌ ورخَّصَ فيهِ الأَكْثرُونَ.

وأمَّا الثاني: فأنْكَرهُ جماعةٌ من التابعينَ كالشَّعْبِيِّ.

وأمَّا الثالثُ: فأنْكَرهُ الإِمامُ أحمدُ وطائفةٌ يَسيرةٌ وكَذَا اشتدَّ إنكارُ أحمدَ للذي بعدَهُ.

ومما حدَثَ أيضًا تدوينُ القولِ في أُصولِ الدِّياناتِ فتَصدَّى لها المثْبِتةُ والنُّفاةُ فبَالغَ الأوَّلُ حتّى شَبَّهَ، وبالَغَ الثاني حتّى عَطَّلَ واشتَدَّ إنكارُ السَّلفِ لذلكَ كأبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، والشَّافعيِّ وكلامُهُمْ في ذمِّ أهلِ الكلامِ مشهورٌ. وسَبَبُهُ أنَّهُمْ تَكلَّمُوا فيما سَكتَ عنهُ النَّبيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأصحابُهُ وثَبَتَ عن مالكٍ أنهُ لم يَكُنْ في عهْدِ النَّبيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبي بكرٍ، وعمرَ شيءٌ مِنَ الأهْوَاءِ يعني بِدعَ الخوارجِ، والرَّوافِضِ، والقَدَريَّةِ، وقد تَوسَّعَ منْ تَأخَّرَ عنِ القرونِ الثلاثةِ الفاضِلةِ في غالبِ الأمورِ التي أَنكرَهَا أَئمَّةُ التابعينَ وأتباعُهُمْ، ولم يَقْتنِعُوا بذلكَ حتّى مَزجُوا مسائِلَ الدِّيانةِ بكلامِ اليونانِ وجَعلُوا كلامَ الفلاسفةِ أصْلًا يَردُّونَ إليهِ ما خالفَهُ منَ الآثارِ بالتّأويلِ ولوْ مُستكْرِهًا، ثمَّ لمْ يَكتفُوا بِذلكَ حتى زَعَمُوا أنَّ الذي رَتَّبوهُ هوَ أشرفُ العلومِ وأَوْلاهَا بالتَّحصيلِ وأنَّ منْ لمْ يَستعمِلْ ما اصْطَلَحُوا عليهِ فهوَ عامِّيٌّ جاهلٌ، فالسَّعيدُ من تَمسَّكَ بما كان عليه السَّلفُ واجْتَنبَ ما أحْدَثهُ الْخَلَفُ وإنْ لمْ يكنْ لَهُ منْهُ بُدٌّ فليَكتفِ منهُ بقدْرِ الحاجَةِ ويَجعل الأَوَّلَ المقصودَ بالأصالةِ. ا هـ [2] .

ولمَّا كانَ مِنْ حكْمةِ اللهِ البالغةِ أنْ يَجْعَلَ للحقِّ معارضِينَ يَتبيَّنُ بمعارضتِهِمْ صوابُ الحقِّ وظهورُهُ على الباطلِ فإنَّ خالِصَ الذَّهبِ لا يَظهرُ إلا بَعرْضِهِ على النَّارِ، قَيَّضَ اللهُ جَلَّ وعَلاَ بِقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ ولُطْفِهِ الواسِعِ وقهرِهِ الغالِبِ مَنْ يدْحَضُ حُجَجَ هؤلاءِ المُعارِضِينَ ويُبَيِّنُ زِيفَ شُبَهِهِمْ وأنَّها كَمَا قِيلَ:

حُججٌ تَهافَتُ كالزُّجاجِ تَخالُهاَ ... حقًّا وكلٌّ كاسرٌ مكسورُ

وقالَ الإِمامُ أحمدُ - رحِمهُ اللهُ - في خطْبةِ كتابِ"الرَّدُّ على الْجَهميَّةِ"الحمدُ للهِ الذيِ جَعلَ في كلِّ زمانِ فَترةٍ منَ الرُّسلِ بقايَا منْ أهلِ العلْمِ يَدْعونَ منْ ضَلَّ إلى الهُدى، ويَصْبرونَ منهمْ على الأَذى، يُحيونَ بكتابِ اللهِ الموتى ويُبَصِّرونَ بنورِ اللهِ أهلَ العَمَى، فكمْ منْ قَتيلٍ لإِبْليسَ قدْ أَحيَوْهُ، وكمْ منْ ضالٍّ تائهٍ هَدَوْهُ، فما أحْسَنَ أثرَهُمْ على النَّاسِ، وما أقبحَ أثرَ الناسِ عليْهِمْ، يَنْفونَ عنْ كتابِ اللهِ تَحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطِلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ الذينَ عَقدُوا أَلوِيةَ البِدعةِ وأَطْلَقوا عَنانَ الفتنةِ فهُمْ

(1) 7/ 61 تهذيب سنن أبي دواد.

(2) ر 13/ 253 فتح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت