الصفحة 12 من 23

إذا تبين هذا قالوا له هذا دليل صحيح في أن الجسم لم يوجد نفسه يعني الجسم المعين عين المعين هذه لم يوجد نفسه وأنه موجود واقتنعوا بهذا البرهان، مع أنه في حقيقته غير مقنع وغير مستقيم، فأثبت لهم وجود خالق وجود رب لهذه الأشياء، فلما نظروا في هذا قالوا له: هذا دليل صحيح، فصِفْ لنا ربك. كان جهم فقيها عنده علم بالكتاب والسنة، ولما سألوه هذا السؤال، نظر في الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة فتحيّر في أنّه لو أثبت هذه الصفات لعادت على هذا الدليل الذي لم يجد غيره في إثبات وجود الله عادت عليه بالإبطال؛ لأنه وجد في الكتاب والسنة أن من الصفات الاستواء، من الصفات العلو، من الصفات الرحمة، من الصفات الانتقام، من الصفات الإعطاء، من الصفات الغضب، من الصفات الرضا إلى آخره، وهذه كلها معاني لا تقوم بنفسها، وهي تأتي وتذهب يعني من حيث هي، فلهذا قال إنه لو قال لهم إن الصفات صفات الرحمن جل وعلا هي التي جاءت في الكتاب والسنة على ظاهرها فإنه يؤول إلى أن يقال له إذن فالذي يتصف بهذه الصفات إذن هو محتاج، إذن هو مثل الجسم فهو جسم كالأجسام، فلهذا قال لهم إن الله سبحانه لا صفة له إلا صفة الوجود المطلق، وعلى هذا الأصل مشى جهم نفي الكلام ونفي جميع الصفات، حتى أسماء الرحمن جل وعلا يفسرها بالآثار المخلوقة.

جاء بعده المعتزلة فقالوا هذا البرهان صحيح، ولكن ثمّ صفات دلّ عليها العقل لا يمكن أن يكون الرب جل وعلا موجودا دون هذه الصفات.

جاء الأشاعرة وقالوا كلام المعتزلة صحيح لكن الصفات أكثر من الثلاث التي أثبتها المعتزلة فهي سبع وتؤول إلى عشرين عندهم.

بعد ذلك جاء الماتريدية وقالوا الصفات ثمان لابد من الزيادة على السبع صفة التكوين وهكذا.

إذن أنشأ الضلال في هذه المسألة هو هذا البرهان الباطل على وجود الله جل وعلا الذي جعل فيه دليل الأعراض هو الدليل على حدوث الأجسام، ومنه أبطل وصف الله جل وعلا بصفاته ونفى الكلام.

ولهذا مسألة الكلام هي أعظم المسائل التي بُحث فيها لأنه ورثها جهم من الجعد بن درهم وكانت أصل المسائل التي يفكر فيها من جهة الصفات، فلما أقام برهانه صارت هذه المسألة أو هذه الصفة من أوائل الصفات التي نفاها لأجل إقامة برهانه واستقامه.

إذا تبين لك ذلك فثَم تعبيرات مختلفة عن منشئ الضلال في هذه المسألة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت