الصفحة 11 من 23

هذه المسألة تطورت عند الجهمية وعند جهم بخصوصه فأصل لها أصلا، وهو أنه نظر في أصل الدين ووجد أنه مبني على إثبات وجود الله جل وعلا -وانتبه! معي في سياق ما أذكرباختصار- نظر أن أصل الدين مبني على إثبات وجود الله جل وعلا قد ابتلي هو بطائفة من منكري وجود الإله سبحانه وتعالى، وحيروه فيما أوردوا عليه من الأسئلة، فقالوا له: أقم لنا برهانا عقليا على أن الله سبحانه وتعالى أو على أن هذا الخلق له رب وله خالق وأنه موجود. فتحير ونظر في هذه المسألة، ثم قال لهم: وجدتها. فأقام البرهان بما يسمى عند أهله بحلول الأعراض في الأجسام، وهو أصل الانحراف في مذهب الجهمية ثم المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، ولهذا السلف ينسبون كل من انحرف في الصفات إلى جهم فيقولون هو جهمي؛ لأنه ما انحرف إلا لموافقته لجهم في هذا الأصل الذي أصله وانحرف به عن منهج السلف، وهذه المسألة وهذا البرهان الباطل وليس ببرهان بل هو دليل باطل، قال في تقريره: إن الجسم تحُلّ فيه الأعراض -الجسم هو المتحيز، كتاب متحيز، كرسي متحيز، مبنى متحيز، إلى آخره- الأجسام تحل فيها الأعراض، والأعراض مثل البرودة الحرارة مثل الارتفاع، مثل الطول العرض العمق، مثل الحركة فيه والتحرك إلى آخره، هذه هي معلوم أنها لا توجد بنفسها وإنما وجدت بالجسم، والجسم حلَّت فيه هذه الأعراض دون اختياره، فلهذا صار هذا الجسم جسما محتاجا إلى العَرَض؛ لأنَّ العرض لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالأجسام، وما دام أنه محتاج لوصف صفاته بوجوده محتاج لصفات فمعنى ذلك أنه غيره ، وإذا كان كذبك فمعنى ذلك أنه غير كامل ومحتاج لغيره وإذا كان كذلك فنعنى هذا أن الأعراض جلبت إليه ومعنى هذا أن حلول الأعراض في الأجسام دل على أنها مخلوقة يعني على أنها محتاجة إلى من يأتي إليها بهذه الأشياء التي تميزها عن غيرها وتصلح معها للوجوب، (1) فلهذا صار الجسم قابلا لحلول الأعراض فيه وصار إذن الجسم محتاجا لغيره فصار إذن مخلوقا مُوجَدا.

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت