أقول (31) : ولا يتنافى هذا مع اختيار العبد الصلاح والفساد، ولا يدل على الجبر في الشقاوة والسعادة، لأن المراد بهذا الكتاب إظهار علمه للملك، وليست هذه الكتابة من موجبات الفعل أبدًا، بل هو إظهار سابق علمه تعالى بأن هذا العبد يؤول أمره إلى هذا، فمثاله مثال أنك تعلم من ضمير السلطان أنه يقتل غدًا زيدًا السارق، فتخبر ابنك بأن زيدًا غدًا مقتول، فيُقتل غدًا، فهل القتل مسبب عن خبرك لابنك أو أن إخبارك له من موجبات قتله؟ فالحال الحال، والمثال المثال، فأمر الله تعالى للملك بالكتابة لسابقة علمه لا أنه قضى عليه بالسعادة أو الشقاوة، نعم! الجبر حاصل في التكوينيات، كالذكر والأنثى والطول والقصر ومثالها، وذلك لمقتضى الحكمة، لكن الأفعال الصادرة منك بحسب مشتهيات نفسك اختيارية، وإنما دواعيها ميل خاطرك ونفسك (32) . انتهى.
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل المخلوقين.
قال تعالى: (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ) [التكوير:29] .
قال السيد محمد حسين فضل الله: فقد تملكون في كيانكم حركة المشيئة الذاتية فيما تملكون من عناصر الاختيار، ولكن مشيئتهم لابد أن تخضع للمشيئة الإلهية في تقدير النظام الكوني الذي تتحرك الأشياء في دائرته، فلا يملك العبد استقلالًا مطلقًا عن الله حتى في نطاق حريته المربوطة بالمشيئة الإلهية بطريقة أخرى (33) .
وقال تعالى: (( وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) ) [إبراهيم:27] .
قال السيد عبدالله شبر: من تثبيت المؤمن وتَخلِيَة الكافر وكفره (34) .
وقال محمد حسين فضل الله: مما تقتضيه الحكمة في تدبير أمور الناس وفي شؤون الحياة؛ لأنه هو الذي لا راد لمشيئته، فإذا أراد شيئًا كان (35) .
وقال تعالى: (( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) ) [النساء:90] .
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي: