وأما الإرجاء [1] فلم يبق على ما كان عليه من مجرد اعتبار العمل خارجًا عن مسمى الإيمان، و أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. بل تجاوزه إلى القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق، وذلك حين أدخل علماء الكلام الإيمان في مباحثهم الفلسفية التجريدية، وأرادوا تعريفه وفقًا لنظرية الحد المنطقية، التي لابد فيها من وجود حقيقة و ماهية ثابتة مشتركة بين الأفراد مجردة عن العرضيات، وجعلوه مجرد اعتقاد بوحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، واعتقاد بحقية ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وجردوه عن العمل، ونفوا زيادته ونقصانه، وأثبتوا تساوي أفراده فيه.
وقد رتبوا على ذلك القول بأن من ترك العمل بالكلية لا يكفر إذا أقر ونطق بالشهادتين مرة في حياته، بل قال بعضهم وحتى الإقرار فليس من الإيمان، وإنما هو مجرد شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وأن من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه من غير عذر ومات على ذلك يكون ناجيًا.
ومما يترتب على ذلك أيضًا القول بأن التشريع والتقنين والإلزام
ص 24
بما يضاد حكم الله ليس في ذاته كفرًا أكبر، وإنما هو معصية، وأن من تحقق منه ذلك عامدًا لا يكفر حتى يظهر بلسانه أنه مستحل لما فعل جاحد لحكم الله.
ونتيجة لما تقدم فقد دار البحث في هذا الموضوع حول ثلاثة أمور أساسية، توزعت على أبوابه وفصوله.
الأول: حول تقرير حقيقة الإيمان، وبيان ما يقابله من حقيقة الكفر. ولأن الأصل في البحث هو بيان أصول السنة فيما يتعلق بالتكفير، فقد كان لزامًا أن يقتصر الكلام هنا على ما له صلة مباشرة بالموضوع، مما يكون للخلاف فيه أثر حقيقي على الخلاف في قضية التكفير.
ولهذا كان الاهتمام بتقرير حقيقتين:
الأولى: بيان حقيقة التوحيد، وأنه ليس مجرد اعتقاد الوحدانية لله في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو عند المتكلمين على اختلافهم في ذلك، وإنما هو توحيد الله تعالى بالقصد والإرادة، وإخلاص الألوهية والعبودية له، وكل ذلك يتضمن اعتقاد الوحدانية لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ونتيجة لهذا الخلاف في حقيقة التوحيد فإنا لا نجد ذكرًا لشرك الإرادة عند مرجئة المتكلمين، بل الشرك عندهم اعتقاد شريك مع الله، إما في الملك والتدبير، وإما في استحقاق العبادة، ولهذا لم يكن الشرك باتخاذ الوسائط وطلب مالا يقدر عليه إلا الله من غيره شركًا عندهم ما لم يتضمن اعتقاد استقلالية من طلب منه ذلك
(1) عن حقيقة الإرجاء وتطوره الفكري وما انتهى إليه واستقر عليه انظر: (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) للأخ د. سفر الحوالي.