فالخوارج ظنوا أنه ليس إلا مؤمن أو كافر، و أن المؤمن هو من التزم بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات، و أن من لم يكن كذلك فهو كافر.
و أصل ذلك أنهم قالوا: إنه إذا كان العمل من الإيمان فإن تحقق المخالفة فيه يقتضي انتفاء الإيمان بالكلية، لأنه كما لا يتصور أن يكون الإنسان إلا مسلمًا أو كافرًا. قالوا فكذلك لا يتصور أن يكون الإنسان إلا مؤمنًا أو كافرًا. وكما وصف الإسلام أما أن يكون موجودًا أو منتفيًا فكذلك وصف الإيمان إما أن يكون موجودًا أو منتفيًا. ثم رتبوا على ذلك أن الإيمان لا ينقص، وأن نقصه يعني انتفاء حقيقته بالكلية. وعلى هذا فمرتكب الكبيرة ليس مسلمًا.
ص 21
لكن المرجئة قابلوا ذلك الغلو بغلو آخر فقالوا: إنه قد ثبت أن وصف الإسلام يثبت للمعين بالإقرار، فدل ذلك على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأنها ليست شرطًا في ثبوت وصف الإسلام للمعين ابتداء. ثم رتبوا على ذلك أنها أيضًا ليست شرطًا في بقاء وصف الإسلام بعد ثبوته ابتداءً.
ولهذا كانوا يجادلون أهل السنة بقولهم أمؤمنون أنتم؟ ويظنون أن الإيمان مرتبة واحدة لا استثناء فيها كالإسلام.
ومن أشهر استدلالاتهم في ذلك حديث الجارية التي سألها الرسول صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت في السماء. فسألها: من أنا؟ قالت: رسول الله. فقال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة. [1]
وقد فهموا من ذلك أنه لو كان شيء غير الإقرار مطلوبًا في تحقيق الإيمان لم يشهد الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الجارية بالإيمان بمجرد الإقرار.
وعلى هذا يفهم قول الكرامية إن الإيمان هو الإقرار، فإنهم إنما يقصدون ما عليه عموم المرجئة من ذلك، لا أنهم يقولون إن المنافق يكون مؤمنًا بمجرد إقراره [2] ، لكنهم لا يفرقون بين وصفي الإيمان و الإسلام الحكمي. بل هما عندهم - كما عند الخوارج - وصفان مترادفان.
ولهذا كان رد أهل السنة على كلتا الطائفتين بتقرير أن الإيمان يزيد وينقص، حتى أصبح ذلك شعارًا يعرف به أهل السنة من غيرهم. وبتقرير الفرق بين وصفي الإيمان المنجي و الإسلام الحكمي تبعًا لذلك، وهذا هو معنى قول الإمام أحمد الذي تابع فيه الإمام الزهري رحمهما الله:
(1) أخرجه مسلم / كتاب المساجد / (537) .
(2) انظر:"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (7/ 141، 476، 550) .