الصفحة 12 من 188

ص 19

تمهيد

إن الإيمان هو الأساس الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة لتقريره وبيانه، وذكر نواقضه وما يقدح في كماله، وبيان مآل المؤمنين وعاقبة الكافرين، حتى إن هذه القضية هي الأصل الذي تعود إليه كل نصوص الكتاب والسنة.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أتم بيان وأوضحه، واتبعه على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم فلم يختلفوا فيه أدنى اختلاف.

وقد تبعهم على ذلك الفهم لحقيقة الإيمان سلف الأمة وأئمتها، فأجمعوا على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وتوارثوه إلى يومنا و إلى أن تقوم الساعة، لأنهم هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.

ومع تمسك أهل السنة والجماعة بذلك المفهوم وإجماعهم عليه، فقد كانوا يردون على كل بدعة مخالفة لذلك الأصل، ويبينون الحق، ويقيمون الحجة على مخالفيهم.

وأول نزاع حدث في الأمة هو النزاع في التكفير، حين كفرت الخوارج المارقة عليًا رضي الله عنه، بعد حادثة التحكيم المشهورة، ومنذ صفين - حيث بدأ الاختلاف والتفرق في الأمة - و إلى اليوم والخلاف قائم حول حقيقة الإيمان والكفر، وما يتبع ذلك من القول في التكفير. بل إن الإنحراف قد ازداد مع مرور الأيام، نظرًا لردود الفعل المتعاقبة، ونظرًا أيضًا لدخول المسألة في نطاق التعقيد القائم على تبرير المناهج

ص 20

بالتماس المؤيدات الشرعية لمقررات سابقة.

وعلى هذا فخلاف الفرق - المخالفة لأهل السنة - في حقيقة الإيمان والكفر ليس في حقيقته قائما على نظر واعٍ واجتهاد مدروس، وإنما هو ردود أفعال غالية على غلو سابق. وهذه حقيقة تأريخية مهمة.

فحين بنى الخوارج منهجهم في التكفير بالكبيرة على أن الأعمال من الإيمان، بناء على أن الإيمان حقيقة واحدة، تنتفي كلها بانتفاء بعض أجزائها، جاء من يقول - وهم المرجئة- إن الأعمال ليست من الإيمان، إذ لا يمكن الجمع بين القول بعدم تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بأن العمل من الإيمان، استنادًا إلى الشبهة السابقة، فقابلوا بدعة التكفير بالمعصية ببدعة نفي أن يكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان.

وأساس خطأ الفريقين وشبهتهم واحدة، وملخصها عدم التفريق بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن، أو بين حقيقة الإيمان وثبوت وصف الإسلام للمعين، فجعلوا الإيمان و الإسلام وصفين مترادفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت