الصفحة 9 من 49

الأول: أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لا يكفي للدخول في الإسلام ولا يعصم الدم والمال ولا ينجّي من عذاب الله.

الأمر الثاني: أن عبادة الله إذا دخلها شيء من الشرك أفسدها فلا تصح العبادة إلا مع الإخلاص.

[فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشهدون لله هذه الشهادة فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [1] وقوله: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [2] وغير ذلك من الآيات]يقول الشيخ رحمه الله تعالى: فإذا طلبت الدليل على أن المشركين مقرُّون بهذا - يعني بتوحيد الربوبية - وأنهم يشركون في توحيد الألوهية، إذا أردت الدليل على هذه المسألة العظيمة التي يُعرف بها الحق من الباطل فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} فالمشركون يعترفون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الرازق المتصرف في عباده الذي بيده الأمر لا ينكر أحد منهم هذا قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} هذا الرزق الذي تأكلون منه وتشربون وتلبسون وتركبون من الذي جاء به هل جاءت به الأصنام؟ الأصنام جمادات وحجارة، أم الأشجار أو الأموات أو القبور والأضرحة كلها لا تأتي بأرزاقكم فهم يعترفون بأن أصنامهم لا تخلق ولا ترزق قال تعالى: {أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ} السمع الحاسة العظيمة التي تسمع بها الأصوات والبصر الذي تبصر به المرئيات هذه العين التي يجعل الله فيها هذا البصر وهذا النُّور من الذي خلقه فيك؟ هل خلقه أحد غير الله؟ فهل رأيتم أحدًا من الخلق أوجد في أحد السمع إذا سلب منه وهل يستطيع أحد أن يرد للأعمى البصر الذي ذهب عنه؟ لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يجعلوا في عينه بصرًا ما استطاعوا لا الأصنام ولا الأطباء ولا الحُذاق من العلماء، فالمشركون معترفون بأن أصنامهم لا تعمل أي شيء من ذلك قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُم بِهِ} [3] لا يوجد أحد يجيب عن هذا السؤال ولا أحد يستطيع غير الله أن يأتي بالسمع والبصر.

{وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} هذا من العجائب يخرج الحي من الميت يُخرج الزرع من الحبّة ويخرج المؤمن من الكافر {وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} يخرج الكافر من المؤمن ويخرج البيضة من الطائر. الذي يقدر على هذا هو الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ} هذا عموم. يعني كل الأمور من الموت والحياة والمرض والصحة والكفر والإيمان والغنى والفقر والليل والنهار والعز والذل والملك يعطي ذلك من يشاء ويأخذه ممن يشاء كل ما يجري في هذا الكون من تقلبات وتغيّرات من الذي يوجد هذه التغيرات وهذه التقلبات؟ فسيقولون الله، فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} ما دام أنكم معترفون أن هذه الأمور بيد الله وأن أصنامكم لا تفعل شيئًا منها أفلا تتقون الله عز وجل وتوحدونه وتفردونه بالعبادة لأنكم إن لم تتقوا الله فإن الله يعذبكم لأنه أقام عليكم الحجة وقطع منكم المعذرة فلم يبق إلا العذاب ما دمتم عرفتم الحق ولم تعملوا به فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ

(1) يونس: 31

(2) المؤمنون: 84 - 87

(3) الأنعام: 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت