وأمام هذا نسي حديث الشيخ ونسي نفسه، ونسي كل شيء وعاد لا يعيش إلا هذه اللحظة .. ولا يدري كيف امتدت يده إلى القدح الذي يحاكي لونه لون شفتيها، وهل كان ينظر إلى القدح أم إليها! كان ينظر إليها كالمسحور، ولم ينتبه إلا على صوتها وهي تصبح:
-انتبه يا سيدي .. العصير ..
كانت يده قد مالت بالقدح، وكاد العصير يتبدد على ثوبه.
ونسي يسار الغرض الذي جاء من أجله .. ولم يشعر إلا وهو يقول لها بصوت خافت متقطع:
-كيف حالك؟
قالت وهي تنظر في عينيه، وكأنها تريد أن تنفذ إلى قلبه:
-الحمد لله.
قال:
-أنت أحسن حالًا .. أليس كذلك؟
فاهتزت الوردة التي تزين شعرها، وقالت:
-بفضلك يا سيدي.
قال وكأنه يهمس في أذنها التي يزينها القرط اللؤلؤي:
-الفضل لله وحده.
قالت وابتسامة السرور تملأ وجهها:
-أنت ناولتني الدواء .. وكان فيه الشفاء.
وغض بصره .. وبقي صامتًا لحظات .. والقلوب تتحدث بدقَّاتها الرتيبة .. ثم نظر